سيرة معاوية
كان أول عمل قام به معاوية بعد تمام بيعته هو قتله الحسن بن علي رضي الله عنهما بمساومته امرأته جعدة حتى دست له السم ، وقيل أن الذي فعل هذا هو يزيد بن معاوية . وخطب معاوية أول خطبة في الكوفة فقال ، والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا ، إنكم لتفعلون ذلك . إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون . ويقول صاحب كتاب شهيد كربلاء ، لم يرعد معاوية عن غيه وهو الذي كان كاتباً لوحي رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي كان معدوداً عنده من الصحاب ذوي الألباب ، لم يرض نفسه الجامحة في ميادين هواها بزمام الخشية والتوبة بعد جلال السن وتنفس العمر ولي إمامة المسلمين ، فلم يتأسى بسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ولم يقتص آثار الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم ، فأمات السنن وأحيا البدع . اتخذ المباني الوثيقة العلية والملابس الأنيقة السنية والذخائر النفيسة والمطاعم الشهية والمراكب البهية والحدائق الفناء والعبيد والأماء غير متأثم من اتخاذها من مال اليتامى والمساكين والمؤمنين والمجاهدين الذين أفاء الله عليهم هذه الأموال وأحرز به البلاء . وهو يعلم أنه يأكل حراماً ويشرب حراماً لا يهاب في ذلك رب الأرباب ولا يخاف نقاش الحساب . وكان الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم ينظرون في أمور الناس بنفسهم . فلما ولي معاوية احتجب عن الرعية ، وجعل رجلاً على النظر في أمورهم وهذا أعظم العيوب في الخليفة أو الإمام وأكبر مفشي للظلم بين الرعية . والظلم هو مهدم الأمم ومهلكها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لن تقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقه من القوي غير متتعتع ) وقال عليه السلام ما معناه ( إنما كانت تؤخذ الأمم من قبلكم لأنهم كانوا يقيمون الحد على ضعيفهم ويتركون عظيمهم ) . قال خالد بن عبد الله القسري لحاجبه ، إذا أخذت مجلس فلا تحجبن عني أحداً ، فإن الوالي يحتجب عن الرعية لإحدى ثلاث ، إما لغيٍّ يكره أن يطَّلع عليه ، وإما لبخل يكره أن يسأل شيئاً ، وإما لريبة لا يحب أن تظهر منه . وقال ميمون بن مهران ، كنت عند عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقال لابنه من بالباب . فقال رجل أناخ الآن يزعم أنه بن بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول من ولي شيئاً من أمور المسلمين ثم حجب عنه حجبه الله يوم القيامة . فقال لحاجبه الزم بيتك ، فما رؤى على بابه بعده حاجب . سمع الخليفة المنصور وهو يطوف بالكعبة أعرابي يطوف ويقول اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يحول بين الحق وأهله من الطمع . فدعاه المنصور وسأله عن قوله . فقال له يا أمير المؤمنين إن أمنتني أنبأتك بالأمور على جليتها وأصولها . فأمنه . فقال إن الذي دخله الطمع حتى حال بين الحق وأهله هو أنت يا أمير المؤمنين . فقال المنصور ويحك ، وكيف يدخلني الطمع والصفراء والبيضاء في قبضتي ، والحلو والحامض عندي . فقال الرجل لأن الله تعالى استرعاك المسلمين وأموالهم فجعلت بينك وبينهم حجاباً من الجص والأجر ، وأبواباً من الحديد ، وحجاباً معهم الأسلحة وأمرتهم أن لا يدخل عليك إلا فلان وفلان ، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف ولا الجائع والعاري ، ولا الضعيف الفقير ، وما أحد إلا وله من هذا المال حق ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك تجبي الأموال فلا تعطيها وتجمعها ولا تقسمها قالوا هذا خان الله تعالى ، فما لنا لا نخون وقد سخر لنا نفسه ، فاتفقوا على أن لا يصل إليك من أخبار الناس إلا ما أرادوا ، ولا يخرج لك عامل فيخالف أمرهم إلا أقصوه ونفوه حتى تسقط منزلته ويصغر قدره ، فلما انتشر ذلك عنك وعنهم عظمهم الناس وهابوهم . فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا ليتقووا بهم على ظلم رعيتك ، ثم فعل ذلك ذووا القدرة والثروة من رعيتك لينالوا به ظلم من دونهم ، فامتلأت بلاد الله بالطمع ظلماً وفساداً ، وصار هؤلاء القوم شركاءك في سلطانك وأنت غافل . فإن جاء يتظلم حيل بينه وبين الدخول إليك ، فإن أراد رفع قصته إليك وجدك قد منعت من ذلك ، وجعلت رجلاً ينظر في المظالم ، فلا يزال المظلوم يختلف إليه وهو ميرافعه خوفاً من بطانتك ، فإذا صرخ بين يديك ضرب ضرباً شديداً ليكون نكالاً لغيره ، وأنت تنظر ولا تنكر . فما بقاء الإسلام على هذا ، فإن قلت إنما تجمع المال لولدك فقد أراك الله في الطفل يسقط من بطن أمه وما له في الأرض مال ، وما من مال إلا دونه يد شحيحة تحويه ، فما يزال الله يلطف بذلك الطفل حتى يعظم رغبة الناس إليه ولست الذي يعطي ، وإنما الله عز وجل يعطي من يشاء بغير حساب . وإن قلت إنما أجمع المال لتسديد الملك وتقويته ، فقد أراك الله في بني أمية ما أغنى عنهم ما جمعوه من الذهب والفضة وما أعدوا من الرجال والسلاح والكراع ، حين أراد الله لهم ما أراد . وإن قلت إنما أجمعه لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها ، فوالله ما فوق الذي أنت فيه منزلة إلا منزلة ما تنال إلا بخلاف ما أنت عليه . ا ويقول صاحب كتاب شهيد كربلاء ، ولمعاوية أخبار في الدهاء والمكر تدل على بعد غوره وحدة ذهنه ، نذكر منها ما يلي ، سمع ابنه يزيد بجمال زينب بنت إسحاق زوج عبد الله بن سلام القرشي ، وكانت من أجمل النساء وأحسنهن أدباً وأكثرهن مالاً ، ففتن بها يزيد . فلما عيل صبره ذكر ذلك لبعض خصيان أبيه ، وكان ذلك الخصى خاصاً بمعاوية واسمه رفيق ، فذكر رفيق ذلك لمعاوية ، وقال له إن يزيد قد ضاق ذرعه بها . فبعث معاوية إلى يزيد فاستفسره عن أمره ، فبث له شأنه ، فقال مهلاً يا يزيد . فقال له علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل . فقال له معاوية فأين مروءتك وحجاك وتقاك . فقال قد عيل الصبر ، ولو كان أحد ينتفع بما يبتلى به من الهوى بتقاه أو يدفع ما أقصد بحجاه لكان أولى الناس به داود حين ابتلى به . فقال أكتم يا بني أمرك ، فإن البوح به غير نافعك والله بالغ أمره فيك ، ولابد مما هو كائن . وأخذ معاوية في الاحتيال في تبليغ يزيد مناه . فكتب إلى زوجها عبد الله بن سلام وكان عامله على العراق أن أقبل حين تنظر كتابي لأمر فيه حظك إن شاء الله تعالى ، فلا تتأخر عنه . فأخذ السير وقدم ، فأنزله معاوية منزلاً كان قد هيئ له ، وأعد فيه نزلة . وكان عند معاوية يومئذ بالشام أبو هريرة وأبو الدرداء فقال لهما معاوية ، إن الله قد قسَّم بين عباده قسماً ووهبهم نعماً أوجب عليهم فيها شكره وحتم عليهم حفظها ، فحباني منها عز وجل بأتم الشرف وأفضل الذكر ، وأوسع عليَّ في الرزق وجعلني راعي خلقه وأمينه في بلاده ، والحاكم في أمر عباده ، ليبلوني أ أشكر أم أكفر ، وأول ما ينبغي للمرء أن يتفقد وينظر ، من استرعاه الله أمره ومن لا غنى به عنه ، وقد بلغت لي ابنة أريد إنكاحها والنظر في اختيار من يباعلها ، لعل من يكون بعدي يقتدي فيه بهديي ويتبع فيه أثري ، فإنه قد يلي هذا الملك بعدي من يغلب عليه الشيطان ويرقيه إلى تفضيل بناتهم ، فلا يرون لهم كفؤاً ولا نظيراً ، وقد رضيت لها بن سلام القرشي ، لدينه وشرفه وفضله ومروءته وأدبه . فقالا له إن أولى الناس برعاية نعم الله وشكرها وطلب مرضاته فيما اختصه منها لأنت . فقال لهما معاوية فاذكرا له ذلك عني ، وقد كنت جعلت لها في نفسي شورى ، غير أني أرجو ألا تخرج من رأيي إنشاء الله . فخرجا من عنده وأتيا عبد الله بن سلام وذكروا له القصة . ثم دخل معاوية على ابنته وقال لها ، إذا دخل عليك أبو الدرداء وأبو هريرة فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلام وحضاك على المسارعة إلى اتباع رأيي فيه فقولي لهما أنه كفء كريم وقريب حميم ، غير أن تحته زينب بنت إسحاق ، وأخاف أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء ، فأتناول منه ما يسخط الله تعالى فيه ، فيعذبني عليه ولست بفاعلة حتى يفارقها . فلما اجتمع أبو هريرة وأبو الدرداء بعبد الله بن سلام وأعلماه بقول معاوية ردهما إليه يخطبان له منه . فأتياه فقال قد علمتما رضائي به وحرصي عليه ، وكنت قد أعلمتكما الذي جعلت لها في نفسها من الشورى ، فادخلا عليها واعرضا عليها الذي رأيت لها . فدخلا عليها وأعلماها فقالت لهما ما قاله معاوية لها . فرجعا إلى بن سلام وأعلماه بما قالته . فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا فراق زينب بنت إسحاق أشهدهما بطلاقها ، وأعادهما إلى ابنة معاوية . فأتيا معاوية وأعلماه بما كان من فراق عبد الله زوجته رغبة في الاتصال بابنته . فأظهر معاوية كراهة فعله وفراقه لزينب وقال ، ما استحسنت له طلاق امرأته ولا أحببته . فانصرفا في عافية ثم عودا إليها وخذا رضاها ، فقاما . ثم عادا إليه فأمرهما بالدخول على ابنته وسؤالها عن رضاها تبرياً من الأمر ، وقال لم يكن لي أن أكرهها ، وقد جعلت لها الشورى في نفسها . فدخلا عليها وأعلماها بطلاق عبد الله امرأته ليسرها ، وذكرا من فضله وكمال مروءته وكرم محتده . فقالت لهما إنه في قريش لرفيع القدر ، وقد تعرفان أن الأناة في الأمور أرفق لما يخاف من المحذور . وإني سائلة عنه حتى أعرف دخيلة أمره وأعلمكما بالذي يزينه الله لي ، ولا قوة إلا بالله . فقالا وفقك الله وخار لك . وانصرفا عنها وأعلما عبد الله بقولها . فأنشد : ا فإن يك صدر هذا اليوم وليّ .............. فإن غداً لناظره قريب
وتحدث الناس بما كان من طلاق عبد الله بن سلام زينب وخطبته ابنة معاوية ، ولاموه على مبادرته بالطلاق قبل إحكام أمره وإبرامه . ثم استحث عبد الله أبا هريرة وأبا الدرداء . فأتياها وقالا لها ، اصنعي ما أنت صانعة ، واستخيري الله تعالى فإنه يهدي من استهداه . فقالت أرجو والحمد لله أن يكون الله قد خار لي ، وقد استبرأت أمره وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي . ولقد اختلف من استشرته فيه ، فمنهم الناهي عنه ومنهم الآمر به ، واختلافهم أول ما كرهت . فلما بلّغاه كلامها علم أنه مخدوع . وقال ليس لأمر الله راد ولا لما لابد منه صادّ ، فإن المرء وإن كمل له حلمه واجتمع له عقله واستد رأيه ليس برافع عن نفسه قدراً برأي ولا كيد ، ولعل ما سروا به واستجزلوا له لا يدوم لهم سروره ولا يصرف عنهم محذوره . وذاع أمره وفشا في الناس وقالوا خدعه معاوية حتى طلق امرأته ، وإنما أرادها لابنه ، وقبحوا فعله . فتمت مكيدته هذه ، لكن المقادير أتت بخلاف تدبيره وبضد تقديره . وذلك أنه لما انقضت أقراء زينب وجه معاوية أبا الدرداء إلى العراق خاطباً لها على ابنه يزيد . فخرج حتى أتى الكوفة وبها يومئذ الحسين بن علي رضي الله عنهما . فبدأ أبو الدرداء بزيارته فسلم عليه الحسين وسأله عن سبب مقدمه . فقال وجهني معاوية خاطباً على ابنه يزيد زينب بنت إسحاق . فقال له الحسين لقد كنت أردت نكاحها وقصدت الإرسال إليها إذا انقضت أقراؤها فلم يمنعني من ذلك إلا تخير مثلك ، فقد أتى الله بك فاخطب رحمك الله عليَّ وعليه لتتخير من اختاره الله لها ، وهي أمانة في عنقك حتى تؤديها إليها ، وأعطها من المهر مثل ما بذل معاوية عن ابنه . فقال أفعل إنشاء الله . فلما دخل عليها أبو الدرداء قال ، أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته ، وكونها بعزته فجعل لكل أمر قدراً ولكل قدر سبباً ، فليس لأحد عن قدر الله مستحاص ولا للخروج عن أمره مستناص ، فكان مما سبق لك وقدر عليك الذي كان من فراق عبد الله بن سلام إياك ، ولعل ذلك لا يضرك ويجعل الله فيه خيراً كثيراً . وقد خطبك أمير هذه الأمة وبن ملكها وولي عهده والخليفة من بعده يزيد بن معاوية ، والحسين بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة ، وقد بلغك شأنهما وسناؤهما وفضلهما ، وقد جئتك خاطباً عليهما ، فاختاري أيهما شئت . فسكتت طويلاً ثم قالت ، يا أبا الدرداء لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب لأشخصت فيه الرسل واتبعت فيه رأيك ولم اقتطعه دونك ، فأما إذ كنت أنت المرسل فقد فوضت أمري بعد الله إليك وجعلته في يديك ، فاختر لي أرضاهما لديك والله شاهد عليك ، فامض في أمري بالتحري ولا يصدنك عن ذلك اتباع هوى . فليس أمرهما عليك خفياً ولا أنت عما طوقتك غبياً . فقال أيتها المرأة عليَّ إعلامك وعليك الاختيار لنفسك . قالت عفا الله عنك ، إنما أنا ابنة أخيك ولا غنى لي عنك ، فلا تمنعك رهبة أحد عن قول الحق فيما طوقتك ، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك ، والله خير من روعي وخيف أنه بنا خبير لطيف . فلما لم يجد بداً من القول والإشارة قال ، أي بنية ، إن بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليَّ وأرضى عندي والله أعلم بخيرهما لك . وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وضع شفتيه على شفتي الحسين ، فضعي شفتيك حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم شفتيه . فقالت قد اخترته وأردته ورضيته . فتزوجها الحسين وساق لها مهراً عظيماً . فبلغ ذلك معاوية فتعاظمه ولام أبا الدرداء لوماً شديداً . وقال من يرسل ذا بله وعمى يركب خلاف ما يهوى . وأما عبد الله بن سلام فإن معاوية أطرحه وقطع عنه جميع روافده لسوء قوله فيه وتهمته أنه خدعه ، ولم يزل يجفوه حتى عيل صبره وقَلَ ما في يديه فرجع إلى العراق ، وكان قد استودع زينب قبل طلاقه لها مالاً عظيماً ودراً كثيراً ، فظن أنها تجحده لسوء فعله بها وطلاقها من غير شئ كان منها . فلقي الحسين فسلم عليه ثم قال ، قد علمت ما كان من خبري وخبر زينب ، وكنت قد استودعتها مالاً ولم أقبضه ، وأثنى عليها ، وقال له ذاكرها أمري واحضضها على رد مالي . فلما انصرف الحسين إليها قال لها قد قدم عبد الله بن سلام وهو يحسن الثناء عليك ويجمل النشر عنك في حسن صحبتك ، وما آنسه قديماً من أمانتك فسرني ذلك وأعجبني ، وذكر أنه كان قد استودعك مالاً فأدّي إليه أمانته وردي عليه ماله ، فإنه لم يقل إلا صدقاً ولم يطلب إلا حقاً . فقالت صدق ، استودعني مالاً لا أدري ما هو فأدفعه إليه بطابعه . فأثنى عليها الحسين خيراً وقال ، ألا أدخله عليك حتى تتبرئي إليه منه كما دفعه إليك . ثم لقي عبد الله وقال ما أنكرت مالك ، وإنها زعمت أنه بطابعك ، فادخل عليها وتسلم مالك منها . فقال أو ما تأمر من يدفعه إليَّ . قال لا بل تقبضه منها كما دفعته إليها . ودخل عليها الحسين وقال هذا عبد الله قد جاء يطلب وديعته . فأخرجت إليه البِدَر فوضعتها بين يديه وقالت هذا مالك . فشكر وأثنى وخرج الحسين عنهما ، وفضّ عبد الله خواتم بِدْرة وحشي لها ذلك وقال خذي هذا فهو قليل مني . فاستصبرا جميعاً حتى علت أصواتهما بالبكاء أسفاً على ما ابتليا به . فدخل عليهما الحسين وقد رق لهما فقال ، أشهد أنها طالق ثلاثاً ، اللهم قد تعلم أني لم أستنكحها رغبة في مالها ولا جمالها ، ولكني أردت إحلالها لبعلها . فسألها عبد الله أن تصرف إلى الحسين ما كان قد ساقه إليها من مهر . فأجابته إلى ذلك. فلم يقبله الحسين رضي الله تعالى عنه وقال ، الذي أرجو إليه من الثواب خير لي . فلما انقضت أقراؤها تزوجها عبد الله وحرمها الله تعالى من يزيد بن معاوية .ا ولما عظم شأن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد عند أهل الشام ومالوا إليه لما عندهم من آثار أبيه ولفنائه في بلاد الروم ولشدة بأسه ، خافه معاوية وخشي على نفسه منه ، فأمر بن أثال النصراني أن يحتال على قتله ، وضمن له أن يضع عنه خراجه ما عاش ، وأن يوليه جباية خراج حمص . فلما قدم عبد الرحمن من الروم دس إليه بن أثال شربة مسمومة مع بعض مماليكه ، فشربها فمات ووفى له معاوية بما اشترط . وأراد معاوية أن ينقل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى الشام فقال ، لا يترك هو وعصا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهم قتلة عثمان . وطلب العصا وحرك المنبر يريد حمله ، فكسفت الشمس حتى رؤيت النجوم ، فأعظم الناس ذلك فتركه. وقيل أتاه أبو هريرة وقال له ، يا أمير المؤمنين لا يصلح أن تنقل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع وضعه ولا تنقل عصاه إلى الشام ، فتركه واعتذر مما صنع . ومما ارتكبه معاوية من الظلم قتله حجر بن عدي . قال معاوية لعامله على الكوفة وهو يومئذ المغيرة بن شعبة أما بعد ، فإن لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ، وقد يجزي عنك الحكيم بغير التعليم ، وقد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة أنا تاركها اعتماداً على بصرك ، ولست تاركاً إيصاءك بخصلة ، لا تترك شتم علي بن أبي طالب وسبه وذمه والترحم على عثمان والاستغفار له ، والعيب لأصحاب علي وبعدهم والإطراء بشيعة عثمان وتقربهم . فأقام المغيرة عاملاً على الكوفة وهو أحسن شئ سيرة غير أنه لا يدع شتم علي والوقوع فيه والدعاء لعثمان والاستغفار له ، فإذا سمع ذلك حجر بن عدي وكان من شيعة علي قال ، بل إياكم ذم الله ولعن ، ثم قام يوماً وقال أنا أشهد أن من تذمون أحق بالفضل ومن تزكون أولى بالذم . فقال له المغيرة يا حجر اتق هذا السلطان وغضبه وسطوته ، فإن غضب السلطان يهلك أمثالك ، وكف عنه وصفح . ولما كان آخر إمارته قال في علي وعثمان ما كان يقول . فقام حجر فصاح صيحة بالمغيرة سمعها كل من بالمسجد ومن بخارجه ، وقال له مر لنا أيها الإنسان بأرزاقنا فقد حبستها عنا وليس ذلك لك وقد أصبحت مولعاً بذم أمير المؤمنين . فقام أكثر من ثلثي الناس يقولون صدق حجر وبر ، مر لنا بأرزاقنا فإن ما أنت عليه لا يجدي علينا نفعاً ، وأكثروا من هذا القول . فنزل المغيرة واستأذن عليه قومه فدخلوا وقالوا ، إلى متى تترك هذا الرجل يجترئ عليك في سلطانك ، ويقول لك هذا القول فيوهن سلطانك ويسخط عليك أمير المؤمنين معاوية . فقال لهم إني قد قتلته فسيأتي من بعدي أمير يظنه مثلي فيصنع معه ما يصنع معي فيأخذه ويقتله ، وإني قد قرب أجلي ولا أحب أن أقتل خيار أهل هذا المصر ، فيسعدون وأشقى ، ويعز في الدنيا معاوية ويشقى في الآخرة المغيرة . ثم توفى المغيرة وولي زياد بن أبيه . فقام في الناس فخطبهم عند قدومه ، ثم ترحم على عثمان وأثنى على أصحابه ولعن قاتليه . فقام إليه حجر بن عدي وفعل معه كما كان يفعل مع المغيرة . فأرسل إلى حجر يدعوه وهو بالمسجد . فأبى ولم يأتيه . فأمر زياد صاحب شرطته أن يبعث إلى حجر جماعة ، ففعل . فسبهم أصحاب حجر . فرجعوا وأخبروا زياد . فجمع أهل الكوفة وقال ، تشجون بيد وتأسون بأخرى ، أبدانكم معي وقلوبكم مع حجر الأحمق ، والله لتظهرن لي براءتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أوركم وصعركم . فقالوا معاذ الله أن يكون لنا رأي إلا الطاعة وما فيه رضاك . قال فليقم كل رجل منكم فليدع من عند حجر من عشيرته وأهله . ففعلوا وأقاموا أكثر أصحابه عنه . وقال زياد لقائد جنده انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به ، وإلا فشدوا عليهم بالسيوف حتى تأتوني به . فأتاه صاحب الجند يدعوه . فمنعه أصحابه فحمل عليهم . فقال أبو العمرطة الكندي لحجر ، إنه ليس معك من معه سيف غيري ، وما يغني عنك سيفي قم فالحق بأهلك يمنعك قومك . وزياد ينظر إليهم من فوق المنبر . فغشيهم أصحاب زياد ، ووقعت بينهم المناوشة فتمكن حجر من الهرب . فأمر زياد الناس باستحضار حجر . ولما رأى حجر قلة من معه أمرهم بالانصراف قائلاً ، لا طاقة لكم بمن قد اجتمع عليكم وما أحب أن تهلكوا ، فخرجوا . وهرب حجر إلى بني حوت . فعلم أنهم يطلبوه فيها ، فخرج إلى قبيلة أخرى والقوم يطلبونه . وما زال يتنقل من قبيلة إلى قبيلة حتى أتى ربيعة ، ولما لم يجد إلى الفرار سبيلاً أرسل إلى زياد من يأخذ له الأمان حتى يرسله إلى معاوية . فأجابه إلى ذلك زياد . فأرسلوا إلى حجر فحضر عند يزيد . فلما رآه قال مرحباً بك يا أبا عبد الرحمن ، حرب أيام الحرب ، وحرب وقد سالم الناس ، على أهلها تجني براقش . فقال حجر ما خلعت طاعة ولا فارقت جماعة ، وإني على بيعتي . فأمر به إلى السجن . فلما وليَّ قال زياد ، والله لأحرضن على قطع خيط رقبته . وطاب أصحاب حجر فهرب عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد إلى الموصل واختفيا بجبل هناك . فرفع خبرهما إلى عامل الموصل وهو يومئذ عبد الرحمن بن عثمان الثقفي بن أخت معاوية . فخرجا إليه وكان عمرو قد استسقى بطنه ولم يستطع القتال ، وأما رفاعة فكان شاباً قوياً ، فركب فرسه ليقاتل عن عمرو . فقال له عمرو ما ينفعني قتالك عني ، انج بنفسك . فحمل عليهم فأفرجوا له فنجا وأخذ عمرو أسيراً . فسألوه من أنت . فقال من إن تركتموه كان أسلم لكم ، وإن قتلتموه كان أضر عليكم . فبعثوه إلى عامل الموصل فعرفه ، فكتب فيه إلى معاوية . فكتب معاوية إليه أنه زعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص ، فاطعنه كما طعن عثمان . فطعنه فمات في الأولى . وجَدَّ زياد في طلب أصحاب حجر . فهربوا وأخذ من قدر عليه منهم . وجئ إلى زياد برجل منهم يقال له صيفي . فقال له زياد يا عدو الله ما تقول في أبي تراب . قال ما أعرف أبا تراب . فقال أتعرف علي بن أبي طالب . قال نعم . قال فذاك أبو تراب . قال كلا ، ذاك أبو الحسن والحسين . فقال له قائد الجند يقول الأمير هو أبو تراب وتقول لا . قال فإن كذب الأمير أكذب أنا وأشهد على باطل كما شهد . فقال له زياد وهذا أيضاً ، عليَّ بالعصا . فأتى بها فقال ما تقول في علي . قال أحسن قول . قال اضربوه . فضربوه حتى لصق بالأرض . ثم قال اقلعوا عنه ، ما قولك في علي . قال والله لو شرحتني بالمواس ما قلت فيه إلا ما سمعت مني . قال لتلعننه أو لأضربن عنقك . قال لا أفعل . فأوثقوه حديداً وحبسوه . وجمع زياد من أصحاب حجر اثني عشر رجلاً ثم دعا زياد بجماعة منهم أبا بردة بن موسى وإسحاق وموسى ابنا طلحة بن عبيد الله والمنذر بن الزبير وعمارة بن عقبة بن أبي معيط وعمرو بن سعد بن أبي وقاص وغيرهم ، فشهدوا على حجر وأصحابه أنهم جمعوا الجموع على زياد وأظهروا شتم الخليفة ودعوا إلى حرب أمير المؤمنين وزعم حرب أن هذا الأمر لا يصلح إلا في آل أبي طالب ، ووثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه ، وأن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه على مثل رأيه وأمره . وأرسل زياد حجر وأصحابه إلى معاوية ومعهم وائل بن حجر الحضرمي وكثير بن شهاب ، وأرسل زياد معهما كتاب إلى معاوية . فلما ذهبوا لحق بهم شريح بن هانئ ، وأعطى وائلاً كتاباً إلى أمير المؤمنين فأخذه . وساروا حتى انتهوا إلى مرج عذراء عند دمشق ، وكانوا حجر بن عدي الكندي والأرقم بن عبد الله الكندي وشريك بن شداد الحضرمي وصيفي بن فسيل الشيباني وقبيصة بن ضبيعة العبسي وكريم بن عفيف الخثعمي وعاصم بن عوف البجلي وورقاء بن سمي البجلي وكرام بن حيان وعبد الرحمن بن حسان العنزيان ومحرز بن شهاب التميمي وعبد الله بن حوية السعدي التميمي ، وأتبعهم زياد برجلين هما عتبة بن الأخنسي وسعد بن نمران ، فتموا أربعة عشر رجلاً . ودخل وائل بن حجر وكثير بن شهاب على معاوية فأخذ الكتاب منهما فإذا فيه ، بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من زياد بن أبي سفيان أما بعد ، فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فكاد له عدوه وكفاه مؤونة من بغي عليه ، إن طواغيت من هذه الترابية رأسهم حجر بن عدي خالفوا أمير المؤمنين وفارقوا جماعة المسلمين ، ونصبوا لنا الحرب ، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم ، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي السن والدين منهم ، فشهدوا عليهم بما رأوا وعلموا ، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في أسفل كتابي هذا . فلما قرأ الكتاب وشهادة الشهود عليهم قال لمن عنده ، ماذا ترون في هؤلاء النفر الذين شهد عليهم قومهم بما تسمعون . فقال له يزيد بن أسد البجلي أرى أن تفرقهم في قرى الشام . ودفع وائل بن حجر كتاب شريح بن هانئ إلى معاوية ، فقرأه فإذا فيه ، بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد الله معاوية أمير المؤمنين من شريح بن هانئ أما بعد ، فإنه بلغني أن زياداً كتب إليك بشهادتي على حجر بن عدي ، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويديم الحج والعمرة ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، حرام الدم والمال ، فإن شئت فاقتله وإن شئت فدعه . فقال معاوية لوائل وكثير ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم ، وأمر بحبس حجر وأصحابه بموج عذراء . وكتب معاوية إلى زياد ، وأما بعد ، فقد فهمت ما اقتصصت به من أمر حجر وأصحابه وشهادة من قِبِلك عليهم ، فنظرت في ذلك ، فأحياناً أرى قتلهم أفضل من تركهم ، وأحياناً أرى العفو عنهم أفضل من قتلهم والسلام . فكتب إليه زياد أما بعد ، فقد قرأت كتابك وفهمت رأيك في حجر وأصحابه ، فعجبت لاشتباه الأمر عليك فيهم ، وقد شهد عليهم بما سمعت من هو أعلم بهم ، فأن كانت لك حاجة في هذا المصر فلا ترون حجراً وأصحابه إليَّ . وسار رسول زياد حتى مر بحجر وأصحابه فقال ، يا هؤلاء أما والله ما أرى براءتكم ، ولقد جئت بكتاب فيه الذبح ، فمروني بما أحببتم مما ترون أنه لكم نافع أعمل به لكم وأنطق به لكم . فقام إليه حجر بن عدي في قيوده فقال ، أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام ، وأخبره إنا قد أومنا ، وصالحناه وصالحنا ، وإنا لم نقتل أحداً من أهل القبلة فيحل له دماؤنا . وسار الرجل حتى دخل على معاوية بكتاب زياد . وقام يزيد بن أسد البجلى فاستوهب من معاوية ابني عمه عاصم وورقاء . وكان جرير بن عبد البجلى قد كتب فيهما يزكيهما ويشهد لهما بالبراءة . فأطلقهما معاوية . وشفع وائل بن حجر في الأرقم فتركه له . وشفع أبو الأعور السلمي في عتبة بن الأخنس فتركه . وشفع حمزة بن مالك الهمداني في سعد بن نمران فوهبه له . وشفع حبيب بن مسلمة في بن حوية فتركه له . وقام مالك بن هبيرة السكوني فقال دع لي حجر بن عمي . فقال له هو رأس القوم وأخاف إن خليت سبيله أن يفسد عليَّ مصره . فقال والله ما أنصفتني يا معاوية ، قاتلت معك بن عمك يوم صفين حتى ظفرت وعلا كعبك ، ثم سألتك بن عمي فمنعتني . ثم انصرف إلى بيته . وأرسل معاوية هدبة بن فياض القضاعي والحصين بن عبد الله الكلابي وأبا شريف البدي إلى حجر وأصحابه ليقتلوا من أمروا بقتله منهم فأتوهم عند المساء ، فلما رأى الخثعمي أحدهم أعور قال يقتل نصفنا ويترك نصفنا . فتركوا ستة وقتلوا ثمانية ، وقالوا لهم قبل القتل إنا قد أمرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له ، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم . فقالوا لسنا فاعلي ذلك . فأمر فحفرت قبور وأحضرت الأكفان . وقام حجر وأصحابه يصلون طول الليل . فلما كان الغد قدموهم ليقتلوهم فقال لهم حجر بن عدي ، اتركوني أتوضأ وأصلي فإني ما توضأت إلا صليت . فتركوه فصلى ثم قال ، والله ما صليت صلاة قط أخف منها ، ولولا أن تظنوا فيَّ جزعاً من الموت لاستكثرت منها . وقال اللهم إنا نستعد بك على أمتنا فإن أهل الكوفة شهدوا علينا وأن أهل الشام يقتلوننا ، أما والله لئن قتلتموني بها فإني لأول فارس من المسلمين هلل في واديها وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها . فمشي إليه هدبة بن فياض بالسيف فجزع حجر وارتعد ، فقالوا له زعمت أنك لا تجزع من الموت ، فابرأ من صاحبك علي بن أبي طالب وندعك . فقال وما لي لا أجزع وأرى قبراً محفوراً وكفناً منشوراً وسيفاً مشهوراً ، وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب . فقتلوه وقتلوا ستة . وقال عبد الرحمن العنزي وكريم الخثعمي ابعثوا بنا لأمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته . فاستأذنوا معاوية فيهما فأذن بإحضارهما فلما دخلا عليه قال الخثعمي الله ، الله يا معاوية فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدر الآخرة الدائمة ، ثم مسؤول عما أردت بسفك دماءنا . فقال له معاوية ما تقول في علي . قال أقول فيه قولك . قال أتبرأ من دين علي الذي يدين الله به ، فسكت . فقام شمر الخثعمي فاستوهبه فوهبه له على أن لا يدخل الكوفة . ثم قال لعبد الرحمن بن حسان يا أخا ربيعه ما تقول في علي . قال دعني ولا تسألني فهو خير لك . قال والله لا أدعك . قال أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيراً ، من الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس . قال فما قولك في عثمان . قال هو أول من فتح أبواب الظلم وأغلق أبواب الحق . قال قتلت نفسك . قال بل إياك قتلت ولا قومي بالوادي ليشفعوا فيَّ . فرده معاوية إلى زياد وأمره بقتله شر قتلة . فدفنه حياً . ذلك ما ارتكبه معاوية من ظلم العباد بدون مبرر وبغير أدنى سبب . يقول فضيلة المرحوم الشيخ عبد الوهاب النجار رضوان الله عنه أن كتاب شريح بن هانئ إلى معاوية بالبراءة من الشهادة كان ينبغي أن يحجز معاوية عن قتل من قتل من هؤلاء النفر ، ومن شأنه أن يلقى الشك في أن شهادة الباقين أخذت منهم بمحض اختيارهم دون تأثير من زياد ، ويقول فضيلة الأستاذ رحمه الله في قول معاوية ( أتبرأ من دين علي ) هذا عنت فاحش من معاوية ، فإنا نعلم والناس يعلمون ومعاوية يعلم أن دين علي الإسلام ، فكيف يحمل الناس على البراءة من الإسلام ، إن هؤلاء الناس الذين قتلتهم لأهوائه السياسية كانوا أقوى على الحق وأقوم قيلاً من معاوية الذي يريق دماءهم على صراحتهم وعدم أوهانهم في دينهم . ولما بلغ الحسن البصري قتل حجر وأصحابه قال ، أصلوا عليهم وكفنوهم ودفنوهم واستقبلوا بهم القبلة . قالوا نعم حجوا هم ورب الكعبة . ولما بلغ خبر حجر إلى عائشة أرسلت إلى معاوية فيه وفي أصحابه ، فوجدهم رسولها قد قتلوا . وقالت عائشة لو لا إنا لم نغير شيئا إلا صارت بنا الأمور إلى ما هو أشد منه لغيرنا قتل حجر ، أما والله إن كان ما علمت لمسلماً حجاجاً معتمراً .ا زياد بن أبيه
وأمه سمية . كانت لدهقان بكسكر مريضاً فدعا الحرث بن كلدة الطبيب فعالجه من مرضه فبرئ فوهبه سمية ، فولدت عنده أبا بكرة ثم نافعاً . فلم يقر بها وزوجها لغلام له اسمه عبيد . وكانت إقامتها بالطائف . وكان أبو سفيان والد معاوية قد سار في الجاهلية إلى الطائف ونزل على بائع خمر اسمه أبو مريم الخمار . وقال له أبو سفيان قد اشتهيت النساء . فقال له أبو مريم هل لك في سمية . فقال أبو سفيان هاتها على طول ثدييها وزفر بطنها . فأتاه بها فحملت منه بزياد ثم وضعته . ونشأ زياد وكبر ، وحضر بمحضر من جماعة من الصحابة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وخطب خطبة لم يسمعوا بمثلها فقال عمرو بن العاص ، لله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه . فقال أبو سفيان لعلي بن أبي طالب إني لأعرف من وضعه في رحم أمه . فقال علي يا أبا سفيان أسكت ، فإنك لتعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعاً . ولما ولي علي الخلافة استعمل زياداً على فارس فضبطها وحمى قلاعها . فساء معاوية ذلك فكتب إلى زياد يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه . فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال ، العجب كل العجب من بن آكلة الأكباد ورأس النفاق يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار ، أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمر فحشياً ضراباً بالسيف . وبلغ ذلك علياً فكتب إليه ، قد عرفت أن معاوية كتب إليك ليستلب لبك فأحذره فإنما هو الشيطان يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلب غرته ، وإني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلاً ، وقد كان من أبي سفيان في زمن عسر فلتة من حديث النفس ونزغة من نزغات الشيطان ، لا يثبت بها نسب ولا يستحق بها إرث ، فاحذر ثم احذر والسلام . فلما قتل علي تحصن زياد بالقلعة التي يقال لها قلعة زياد بفارس ، ولم يدخل في طاعة معاوية . فعز على معاوية ذلك فشكا ذلك إلى المغيرة بن شعبة فقال ، يا مغيرة ذكرت زياداً واعتصامه بفارس فلم أنم ليلتي . فقال المغيرة وما زياد هناك . فقال معاوية داهية العرب ، معه أموال فارس يدبر الحيل ما يؤمنني أن يبايع لرجل من آل البيت ، فإذا هو قد أعاد الحرب جزعة . فقال المغيرة أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إتيانه . قال نعم وتلطف له ، وكتب معاوية لزياد أماناً . فسار المغيرة إليه وكان المغيرة قد اتهم هو وأبو بكرة أخو زياد بالزنا وكان الشاهد عليهما زياد ، فامتنع عن التصريح بالشهادة فيهما ونجيا بذلك من الجلد ، فلذلك كان المغيرة يكرمه ويعظمه من حين أداء هذه الشهادة . ولما دخل المغيرة على زياد قال له ، إن معاوية إستخفه الوجل حتى بعثني إليك ولم يكن أحد يمد يده إلى هذا الأمر غير الحسن بن علي وقد بايع ، فخذ لنفسك قبل التوطين فيستغني معاوية عنك . فقال زياد أشر عليَّ . فقال المغيرة أرى أن تصل حبلك بحبله وتذهب أليه . وكتب معاوية إلى زياد علام تهلك نفسك فاقبل إليَّ فأعلمني علم ما صار إليك مما اجتبيت من الأموال وما خرج من يديك وما بقي عندك وأنت آمن ، فإن أحببت المقام عندنا أقمت ، وإن أحببت أن ترجع إلى مأمنك رجعت . فخرج زياد من فارس نحو معاوية وبايعه . واستلحقه معاوية بنسبه ، وأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد بأنه بن أبي سفيان بن حرب . وكان ممن حضر لذلك أبو مريم الخمار الذي أحضر سمية لأبي سفيان ، وكان قد أسلم وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فشهد بنسب زياد من أبي سفيان وتكلم بأقبح مقال . فقال زياد رويدك طلبت شاهداً ولم نطلب شتَّاماً . واستلحقه معاوية . وكان استلحاقه أول ما ردت به أحكام الشريعة علانية ، لأن سمية كانت وقتئذ تحت زوجها عبيد ، فهو بن عبيد ، لصريح قول النبي صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر . وأنكر بنو أمية استلحاق زياد .ا وقال عبد الرحمن بن الحكم في ذلك : ا ألا أبلغ معاوية بن صخـر ............. لقد ضاقت بما تأتي اليـدان
أتغضب أن يقال أبوك عف ............ وترضى أن يقال أبوك زاني
وأشهد أن رحمك من زياد ........... كرحم الفيل من ولد الأتان
وروي أن الإمام الشافعي رضي الله عنه قال ، لا يقبل شهادة أربعة من الصحابة وهم ، معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد . وروي أن معاوية أعلن بالربا وأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها ، وهذا مما أخرج أبي ذر من أرض معاوية . روي في الصحيح .ا واشتهر معاوية بالحلم ، ولكنه حلم لا خير فيه . لأن معاوية كان لا يحلم إلا لغرض من أغراض الدنيا . يقول صاحب كتاب شهيد كربلاء ، اشتهر معاوية بحلمه القاهر لغضبه ، وجوده الغالب على منعه . ويقول وإذا كان الحلم هو دفع السيئة بالحسنة وتجرع الغيظ ، وإذا كان الحليم من إذا ظلم ثم قدر فغفر ، ولم يكن حلمه لفقد النصرة أو لعدم القدرة ، فإنه ينقم على معاوية أفعالاً أتى بها ليست من الحلم في شئ . ويقول الحلم على جملة أنواع ، النوع الأول حلم غريزي وهو هبة من الله للعبد ، يعفو عمن ظلمه ويصل من قطعه ويعطي من حرمه ويحسن لمن أساءه وهو الذي قال فيه الشاعر : ا
وإذا بالإباء المر قال لك انتقم ........... قالت خلائقك الكرام بل احلم
ومن الحلم الصحيح ما رواه صاحب الكتاب المذكور عن سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهما فقال ، حكى أن رجلاً من أهل الشام دخل المدينة قال ، فرأيت رجلاً راكباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابة منه قال ، فمال قلبي إليه فسألت عنه فقيل هذا الحسن بن علي بن أبي طالب ، فامتلأ قلبي بغضاً له وحسدت علياً أن يكون له ولد مثله . فصرت إليه فقلت أنت بن أبي طالب . قال أنا بن ابنه . فقلت قلت فيك وفي أبيك اشتمهما ، فلما انقضى كلامي قال ، أحسبك غريباً . فقلت أجل . قال فإن احتجت إلى منزل أنزلناك أو إلى مال آسيناك أو إلى حاجة عاوناك . فانصرفت وما على الأرض أحب إليَّ منه . ومن هذا الحلم أيضاً ما رواه سفيان قال ، جاء رجل إلي علي بن الحسين رضي الله عنهما فقال له إن فلاناً قد وقع فيك بحضوري . فقال له انطلق بنا إليه . فانطلق معه وهو يرى أنه سينتصر لنفسه منه ، فلما أتاه قال له يا هذا إن كان ما قلته فيَّ حقاً فأنا أسأل الله أن يغفر لي ، وإن كان ما قلته باطلاً فالله تعالى يغفره لك ، ثم ولى عنه . وروي أن علياً بن الحسين خرج يوماً من المسجد ، فلقيه رجل فسبه وبالغ في سبه وأفرط ، فعاد إليه العبيد والموالي فكفهم عنه وأقبل عليه وقال له ، ما ستر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها ، فاستحيا الرجل فألقي إليه خميصة وألقي إليه خمسة آلاف درهم ، فقال اشهد أنك من أولاد المصطفى صلى الله عليه وسلم . ولقيه رجل فسبه فقال له يا هذا بيني وبين جهنم عقبة إن أنا اجتزتها فما أبالي بسبك ، وإن لم اجزها فأنا أكثر مما تقول . والكتب مليئة من نوع هذا الحلم واقتصرنا على ما ذكر . ويقول صاحب الكتاب المذكور آنفاً ، فهذا هو الحليم الذي يبطئ عن الغضب ويستريح إلى العذر ويرأف بالضعفاء وينبر على الأقوياء . ويقول والنوع الثاني حلم تحالم يكظم غيظه وفي القلب كراهية وهو أقل درجة مما قبله وهو ما كان عند معاوية ، ويقول وفي الحكايات الآتية مثل من أمثلة هذا النوع . قدم معاوية المدينة أول حجة حجها بعد اجتماع الناس عليه ، فلقيه الحسن والحسين ورجال من قريش فتوجه إلى دار عثمان بن عفان ، فلما دنا إلى باب الدار صاحت عائشة بنت عثمان وندبت أباها . فقال معاوية لمن معه ، انصرفوا إلى منازلكم فإن لي حاجة في هذه الدار فانصرفوا . ودخل فسكَّن عائشة وأمرها بالكف وقال لها ، يا بنت أخي ، إن الناس أعطونا سلطاننا فأظهرنا لهم حلماً تحته غضب وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ، فبعناهم هذا بهذا ، وباعونا هذا بهذا ، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا منا شحوا علينا بحقنا وغمطناهم بحقهم ، ومع كل إنسان منهم شيعة وهو يرى مكان شيعته فإن نكثناهم نكثوا بنا ، ثم لا ندري أتكون لنا الدائرة أم علينا . ودخل الأحنف بن قيس التميمي يوماً على معاوية فقال له معاوية ، والله يا أحنف ما أذكر يوم صفين إلا كانت حزازة في قلبي إلى يوم القيامة . فقال له الأحنف ، والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها لفي صدورنا ، وإن السيوف التي قاتلناك بها لفي أغمادها وإن تدن من الحرب فترا ندن منك شبراً ، وإن تمش إليها نهرول إليك ، ثم قام وخرج . وكانت أخت معاوية من وراء حجاب تسمع كلامه فقالت ، يا أمير المؤمنين من هذا الذي يتوعد ويتهدد فقال ، هذا الذي إذا غضب ، غضب لغضبته مائة ألف من بني تميم ولا يدرون لماذا غضب . وحضر الأحنف بن قيس يوماً عند معاوية في وجود الناس ، فدخل رجل من أهل الشام وقام خطيباً وكان آخر كلامه أن لعن سيدنا علي بن أبي طالب ، فأطرق الناس وتكلم الأحنف فقال ، يا أمير المؤمنين إن هذا القائل لو يعلم أن رضاك في لعن المرسلين للعنهم ، فاتق الله ودع عنك علياً فقد لقي ربه وأفرد في قبره ، وكان والله الميمونة نقيبته ، العظيمة مصيبته . فقال معاوية يا أحنف لقد أغضيت العين على القذى ، فأيم الله لتصعدن المنبر ولتلعننه طوعاً أو كرهاً . فقال الأحنف أما والله لأنصفنك في القول . قال وما أنت قائل . قال أحمد الله بما هو أهله وأصلي على رسوله وأقول ، أيها الناس إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن ألعن علياً ، ألا وإن علياً ومعاوية اختلفا فاقتتلا وأدعى كل منهما أنه مبغي عليه ، فإذا دعوت فأمِّنوا ، ثم أقول اللهم العن أنت وملائكتك ورسلك وجميع خلقك الباغي منهما على صاحبه ، والعن الفئة الباغية ، اللهم العنهم لعناً كثيراً ، أمِّنوا رحمكم الله . يا معاوية أقوله ولو كان فيه ذهاب روحي . فقال معاوية إذن نعفيك من ذلك ولم يلزمه . ويقول صاحب الكتاب والنوع الثالث حلم كبر لا يرى المسيء أهلاً أن يجاريه ، ولمعاوية حكاية من هذا النوع ، وهي ، سمع معاوية زوجته ميسون بنت بجدل الكلبية تنشد هذه الأبيات : ا
للبس عباءة وتقر عينـي ............ أحب إليَّ من لبس الشفوف
وبيت تخفق الأرياح فيـه ............... أحب إليَّ من قصر منيـف
وبكر تتبع الأظعان صعـب ............... أحب إليَّ من بغل زفـوف
وكلب ينبح الأضياف دوني ............... أحب إليَّ من هر أليــف
وخرق من بني عمي فقير ............. أحب إليَّ من علج عنيف
فقال لها معاوية ، ما رضيتِ يا ابنة بجدل حتى جعلتني علجاً عنيفاً ، الحقي بأهلك . فمضت إلى بادية بني كلب ومعها يزيد . والنوع الرابع حلم مذموم رياء وسمعة ، وصاحبه حاقد يكظم غيظه ويرائي به جلساءه ، وقد وصف معاوية بهذا النوع من الحلم أيضاً . سمع معاوية جلساءه ذات يوم يذكرون وقائع صفين التي حارب فيها علياً ، فذكروا اسم امرأة من العراق تسمى الزرقاء بنت عدي ، حضرت هذه الوقائع وكانت توغر الصدور على معاوية بما أوتيت من قوة البيان والفصاحة وتستفز أعداءه للضرب والقتل في رجاله بلا توان ولا شفقة ، حتى سالت الدماء أنهاراً . فقال معاوية أحضروها . فلما دخلت عليه رحب بها وسألها ، لعلك تعلمين لِمَ بعثنا إليك . قالت سبحان عالم الغيب والشهادة . فقال الست الراكبة الجمل الأحمر يوم صفين وأنت تتخللين الأبطال وتحرضين على القتال . قالت بلى . فقال وما حملك على ذلك . قالت يا أمير المؤمنين ، قد مات الرأس وبتر الذنب ، والدهر ذو عبر ، ومن تفكر أبصر ، والأمر يحدث بعده الأمر . فقال صدقت ، وهل تحفظين ما قلته يوم ذاك . قالت لا وأبيك . فقال ألم تقولي ، أيها الناس إن المصباح لا يضئ في الشمس والكواكب لا تضئ في القمر والبغل لا يسبق الفرس ، فصبراً يا معشر المهاجرين والأنصار ، فكأنكم وقد التأم شمل الشتات وظهرت كلمة العدل وغلب الحق على الباطل ، فإنه لا يستوي المحق والمبطل ( أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً ) ، فالنزال النزال والقتال القتال ، ألا إن خضاب النساء الحناء وخضاب الرجال الدماء ، فأتوا الحرب غير ناكصين ، فهذا يوم له ما بعده . قالت نعم لقد كان مني ذلك . فقال إذن أنت شاركت علياً في كل دم سفكه . قالت حقق الله بشارتك يا أمير المؤمنين ، وأدام سلامتك ، مثلك من يبشر بخير ويسر جليسه . فقال أو قد يسرك ذلك . فقالت أي والله لقد سرني قولك وأنّي لي بتصديقه . فقال والله إن وفاءك لعلي بعد موته لأعجب من حبك له في حياته ، فاذكري حوائجك تقض . فقالت يا أمير المؤمنين إني آليت على نفسي ألا أسأل أحداً بعد علي رضي الله عنه . فقال قد أشار عليَّ بعض من عرفك بقتلك . فقالت لؤم من المشير ولو أطعته لشاركته . فقال بل نعفو عنك ونحن إليك ، فأعطاها كسوة ودراهم وغير ذلك .ا
ودخلت ( أروى بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ) على معاوية وهي عجوز كبيرة . فقال لها معاوية مرحباً بك يا خالة ، كيف أنت . فقالت بخير يا بن أختي ، لقد كفرت النعمة وأسأت لابن عمك الصحبة وتسميت بغير اسمك وأخذت غير حقك ، وكنا أهل البيت أعظم الناس في هذا الدين بلاء ، حتى قبض الله نبيه مشكوراً سعيه مرفوعاً منزلته ، فوثب علينا بعده تيم وعدي وأمية فابتزونا حقنا ، ووليتم علينا فكنا فيكم بمنزلة بني إسرائيل في آل فرعون ، وكان علي بن أبي طالب بعد نبينا بمنزلة هارون من موسى . فقال لها عمرو بن العاص ، كفى أيتها العجوز الضالة ، واقصدي عن قولك مع ذهاب عقلك . فقالت وأنت يا بن الباغية تتكلم وأمك كانت أشهر بغيّ بمكة وأرخصهن أجرة ، ودعاك خمسة من قريش فسئلت أمك عنهم ، فقالت كلهم أتاني فانظروا أشبههم به فألحقوه به ، فغلب عليك شبه العاص بن وائل فألحقوك به. فقال لها معاوية عفا الله عما سلف ، هاتي حاجتك . فقالت أريد ألفي دينار لأشتري بها عيناً فواره في أرض خرارة تكون لفقراء بني الحارث بن عبد المطلب . وألفي دينار أخرى أزوج بها فقراء بني الحارث . وألفي دينار أخرى أستعين بها على شدة الزمان . فأمر لها معاوية بستة آلاف دينار ، فقبضتها وانصرفت . ويقول صاحب الكتاب والنوع الخامس حلم مهانة وذلة وعجز وضعف نفس وصغر همة ، وهو الذي قال المتنبي في صاحبه : ا
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ............ ذا عفة فلعـلـه لا يظلـــم
تدعو معاوية أسباب هذا النوع من الحلم إلى استعماله يلي خلافة المسلمين بالسيف والحيف ، وهو يعلم أن محل بني هاشم منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عنهم السيل ولا يرقى إليهم الطير ، وكلما غاب لهم نجم طلع لهم نجم آخر يلي خلافة المسلمين فلا يقتص آثار الخلفاء الراشدين ، وفي السويداء رجال ينتصرون للفضيلة كالحسين وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر ومع كل منهم شيعته وغيرهم ممن قل لمعاوية وفاؤهم وضعف إخاؤهم وهو يداوي منهم قرحاً يخاف أن يكون عَلقاً إذا أحرجهم بعنف السياسة كانوا أوشك وثوباً عليه عند إتاحة الفرصة فيشح الزمان بما سمح ويضمن بما منح ، فيرى أمام هذه الأمور مجتمعة أن يخفض لهم جناح الذل ليدفع بالمياسرة عن المنافرة ويغالط بهم الأيام والساعات تهدم الأعمار ولا يجعل لهم فراغاً يتشاغلون فيه بمساءته ولا يباينهم بالعزلة فيمقتونه ولا يجاهرهم بالمخالفة لهم فيعادونه ولا يزال بهم هكذا حتى يأنس نافرهم ويطمئن ناكرهم ، ويقول ونخلص من ذلك ، إلى أنه كان الأولى بمعاوية أن يدعوه إلى الحلم أفضل أسبابه ، وهو التقرب إلى الله عز وجل ابتغاء حسن الثواب وكرم المآب ، ولكنه يريد بذلك ملكاً لا انهدام لأساسه ولا زوال لدعائمه ولا إنقلاع لشجرته ولا انقطاع لمدته ولا جذ لفروعه ولا انطفاء لمصباحه ولا مرارة لحلاوته ، يريد ملكاً يود لو يعمر ألف سنة ، فهو يحرص عليه حرص الغار ، ولو لقي فيه المذلة والصغار ، ولحقه من أجله العار والشنار ، قيل لشريك القاضي كان معاوية حليماً . قال ليس بحليم من سفه الحق وقاتل علياً كرم الله وجهه . ويقول صاحب الكتاب ونقم على معاوية عفوه عن ابنه يزيد وتركه حداً من حدود الإسلام ، ذلك لأنه دخل عليه في حجرة أم كلثوم فوجده يشرب الخمر وكان يغزو الروم وقتئذ ، فقال له أنت هنا قم والحق بالجيش . ويقول فإذا قال معاوية في ملأ من الناس لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت ، كنت إذا مدوها أرخيتها ، وإذا أرخوها مددتها . ثم كان حلمه لفقد النصرة وعدم القدرة ، أو كان حلمه لترك التناهي ، فإنه قَوْل يقال ولا يخال ، قول كالعسل وفعل كالأسل . وقال عمر بن الخطاب تذكرون كسرى وقيصر ودهاءهما وعندكم معاوية . وقَدَمَ عمرو بن العاص من مصر على معاوية ومعه أهل مصر ، فقال لهم عمرو لا تسلموا على معاوية بالخلافة فإنه أهيب لكم في قلبه وصغروه ما استطعتم . فلما قَدَموا قال معاوية لحجابه ، كأني بابن النابغة وقد صغر أمري عند القوم ، فانظروا إذا دخل القوم فتصنعوهم أشد ما يحضركم . فكان أول من دخل عليه رجل منهم يقال له بن الخياط فقال لمعاوية السلام عليك يا رسول الله ، وتتابع القوم على ذلك ولم ينكر معاوية ذلك . فلما خرجوا قال لهم عمرو لعنكم الله ، نهيتكم أن تسلموا عليه بالخلافة فسلمتم عليه بالنبوة . وقال علي رضي الله عنه في دهاء معاوية ، والله ما معاوية بأدهى مني ، ولكنه يغدر ويفجر ، ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس ، ولكن كل غدرة فجرة وكل فجرة كفرة ، ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة ، والله ما استغفل بالمكيدة ولا استغمز بالشديدة . وقيل لمعاوية أي الناس أحب إليك . قال أشدهم لي تحبيباً إلى الناس ، ولم يقل مثلاً أشدهم لي تقريباً إلى الله . قال عبد الله بن عمير ، أغلظ لمعاوية رجل فأكثر ، فقيل لمعاوية أتحلم عن هذا . فقال إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا . ومعاوية أول من جعل الخلافة ملكاً عضوضاً يتوارثه الأبناء عن الآباء ، وأول من بايع لابنه وخالف في ذلك مبدأ الإسلام . ويقول صاحب كتاب شهيد كربلاء حسب معاوية أن الدنيا معقولة عليه تمنحه درها وتورده صفوها فما لبث أن رآها كسراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ، رآها منقطعة عنه والآخرة قريبة منه فانتبه من غفلته وأفاق من سكرته وطمحت به نخوة السلطان والطمع إلى طلب البيعة لابنه يزيد ليكون ولي عهده من بعده مخالفاً في ذلك المبدأ الجمهوري الذي سار عليه الخلفاء الراشدون من ترك الناس يختارون خليفتهم .ا
بيعة يزيد
علم المغيرة بن شعبة أن معاوية يريد عزله وكان واليه على الكوفة ، فأراد المغيرة أن يحتفظ لنفسه بمنصبه ، فدخل على يزيد وقال له ، إنه قد ذهب أعيان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآله وكبراء قريش وذووا أسنانهم ، وإنما بقي أبناؤهم ، وأنت من أفضلهم وأحسنهم رأياً وأعلمهم بالسنة والسياسة ، ولا أدري ما يمنع أمير المؤمنين أن يعقد لك البيعة . قال أو ترى ذلك يتم . قال نعم فدخل يزيد على أبيه وأخبره بما قال المغيرة . فأحضر المغيرة وقال له ما يقول يزيد . فقال يا أمير المؤمنين قد رأيت ما كان من سفك الدماء والاختلاف بعد عثمان ، وفي يزيد منك خلف فاعقد له ، فإن حدث بك حادث كان كهفاً للناس وخلفاً منك ولا تسفك دماء ولا تكون فتنة . قال ومن لي بهذا . قال أكفيك أهل الكوفة ويكفيك زياد أهل البصرة وكان واليها وليس بعد هذين المصرين أحد يخالفك . قال معاوية فارجع إلى عملك وتحدث مع من تثق إليه في ذلك وترى ونرى . وسار المغيرة حتى قدم الكوفة وتحدث مع من يثق إليه ومن يعلم أنه شيعة لبني أمية في أمر يزيد . فأجابوا إلى بيعته . فأوفد منهم أربعين رجلاً إلى معاوية وعليهم ابنه عروة . فلما دخلوا على معاوية قاموا خطباء فقالوا ، إنما اشخصهم إليك النظر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا يا أمير المؤمنين كبرت سنك وخفنا انتشار الحبل ، فانصب لنا علماً وحد لنا حداً ننتهي إليه . فقال أشيروا عليَّ . فقالوا نشير بيزيد بن أمير المؤمنين . فقال أو قد رضيتموه . قالوا نعم . قال وذلك رأيكم . قالوا نعم ورأي من وراءنا . فقال معاوية سراً عنهم لعروة ، بكم اشتري أبوك من هؤلاء دينهم . قال بأربعمائة دينار . قال لقد وجد عندهم دينهم رخيصاً ، وقال لهم ننظر ما قدمتم له ويقضي الله ما أراد . فرجعوا وقوي عزم معاوية على البيعة ليزيد ، فأرسل إلى زياد يستشيره في ذلك . فأحضر زياد عبيد بن كعب النميرى وقال له ، إن لكل مستشير ثقة ولكل سر مستودع ، وإن الناس قد أبدع بهم خصلتان ، إذاعة السر وإخراج النصيحة إلى غير أهلها ، وليس موضوع السر إلا أحد رجلين ، رجل آخره يريد ثواب الله ، ورجل دنيا له شرف في نفسه وعقل يصون حسبه وقد خبرتهما منك ، وقد دعوتك لأمر اتهمت عليه بطون الصحف ، إن أمير المؤمنين كتب يستشيرني في كذا ، وإنه يتخوف نفرة الناس ويرجو طاعتهم وعلاقة أمر الإسلام وضمانه عظيم ، ويزيد صاحب رسلة وتهاون مع ما قد أولع به من الصيد ، فألق أمير المؤمنين وأد إليه فعلات يزيد وقل له رويدك بالأمر ، لا تعجل فإن دركاً في تأخير خير من فوت في عجلة . فقال له عبيد عندي غير هذا . قال وما هو . قال لا تفسد على معاوية رأيه ولا تبغض إليه ابنه ، والقي أنا يزيد فأخبره أن أمير المؤمنين كتب إليك يستشيرك في البيعة له ، وإنك تتخوف خلاف الناس عليه لهنات ينقمونها عليه ، وإنك ترى له ترك ما ينقم عليه لتستحكم له الحجة على الناس ويتم ما تريد . فقال زياد لقد رميت الأمر بحجره ، اذهب على بركة الله . فقدم إلى يزيد وأخبره بخبر زياد . فعدل يزيد عما كان يريد . ولما مات زياد عزم معاوية على البيعة ليزيد ، فأرسل إلى عبد الله بن عمر مائة ألف درهم فقبلها ، فلما ذكر البيعة ليزيد قال بن عمر ، هذا ما أراد ، إن ديني عندي إذن لرخيص وامتنع عن البيعة . ثم كتب معاوية إلى مروان بن الحكم ، إني قد كبرت سني ودق عظمي وخشيت الاختلاف على الأمة بعدي ، وقد رأيت أن أتخير لهم من يقوم بعدي وكرهت أن اقطع أمراً دون مشورة من عندك ، فاعرض ذلك عليهم وأعلمني بالذي يقولون . فقام مروان في الناس وأخبرهم بذلك . فقال الناس أصاب ووفق ، وقد أحببنا أن يتخير لنا . فكتب مروان إلى معاوية بذلك . فأعاد إليه معاوية الجواب يقول أنه قد اختار يزيد ابنه . فقام مروان خطيباً فقال إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل ، وقد استخلف عليكم ابنه يزيد بعده . فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال ، كذبت والله يا مروان وكذب معاوية ، ما الخيار أردتما لأمة محمد ، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية ، كلما مات هرقل قام هرقل . فقال مروان هذا الذي أنزل الله فيه ( والذي قال لوالديه أف لكما ) الآية . فسمعت عائشة مقالته فقالت من وراء حجاب ، يا مروان ، يا مروان . فأنصت الناس ، وأقبل مروان بوجهه فقالت ، أنت القائل لعبد الرحمن أنه نزل فيه القرآن ، كذبت والله ما هو به ولكنه فلان ، ولكنك فضض من لعنة بني الله . وقام الحسين بن علي فأنكر ذلك ، وفعل مثله بن عمر وبن الزبير . فكتب مروان بذلك إلى معاوية . وكان معاوية قد كتب إلى عماله أن يوفدوا إليه الوفود من الأمصار . فكان فيمن أتاه محمد بن عمرو بن حزم من المدينة والأحنف بن قيس في وفد أهل البصرة . فقال معاوية للضحاك بن قيس الفهري لما اجتمعت الوفود عنده ، إني متكلم فإذا سكت فكن أنت الذي تدعو إلى بيعة يزيد وتحثني عليها . فلما جلس معاوية للناس تكلم فعظم أمر الإسلام وحرمة الخلافة وحقها ، وما أمر الله به من طاعة ولاة الأمر ، فعارضه الضحاك وقال ، يا أمير المؤمنين إنه لابد للناس من والي بعدك وقد بلونا الجماعة والألفة فوجدناهما أحقن للدماء وأصلح للدهماء وآمن للسبل وخيراً في العاقبة والأيام عوج رواجع والله كل يوم هو في شأن ، ويزيد بن أمير المؤمنين في حسن هديه وقصد سيرته على ما علمت ، وهو من أفضلنا علماً وحلماً وأبعدنا رأياً ، فوله عهدك واجعله لنا عَلماً بعدك ومفزعاً نلجأ إليه ونسكن في ظله . وتكلم عمرو بن سعيد الأشدق بمثل ذلك . وتكلم يزيد بن المقنع العذري فقال ، هذا أمير المؤمنين وأشار إلى معاوية ، فإن هلك هذا فهذا وأشار إلى يزيد ، ومن أَبَى فهذا وأشار إلى سيفه . فقال معاوية اجلس فأنت سيد الخطباء . وقال رجل لمعاوية يا أمير المؤمنين أعلو أنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها . والأحنف جالس فقال له معاوية ما بالك لا تقول يا أبا بحر . فقال نخافكم إن صدقنا ونخاف الله إن كذبنا ، وأنت يا أمير المؤمنين أعلم بيزيد في ليله ونهاره وسره وعلانيته ومدخله ومخرجه ، فإن كنت تعلمه لله تعالى وللأمة رضا فلا تشاور فيه ، وإن كنت تعلم فيه غير ذلك فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة ، وإنما علينا أن نقول سمعنا وأطعنا . فقال معاوية جزاك الله عن الطاعة خيراً وأمر له بألوف . فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب فقال ، يا أبا بحر إني لأعلم أن شر من خلق الله هذا وابنه ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال فلسنا نطمع في استخراجها إلا بما سمعت . فقال له الأحنف يا هذا أمسك فإن ذا الوجهين خليق ألا يكون عند الله وجيهاً . وتفرق الناس وكتب معاوية إلى الآفاق ببيعة يزيد ، واستعمل في ذلك الدهاء والتهديد والوعد والوعيد والترغيب ، والرشوة والدراهم مراهم يداوي بها كل جرح ويطيب بها كل صلح . فبايع له الناس في سائر الأقاليم وغيرهم ممن اتبعوا أثره وطلبوا فضله ، إتباع الكلب للضرغام يلوذ إلى مخالبه وينتظر ما يلقى إليه من فريسته . من كتاب شهيد كربلاء وامتنع عن البيعة الحسين بن علي وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم جميعاً . وبعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمائة ألف درهم فردها وقال أبيع ديني بدنياي . وسار معاوية إلى الحجاز في ألف فارس ، فلما دنا من المدينة لقيه الحسين بن علي أول الناس ، فلما رآه معاوية قال ، لا مرحباً ولا أهلاً بدنة يترقرق دمها والله مهريقه . قال مهلاً فإني والله لست بأهل لهذه المقالة . قال بلى والشر منها . ولقيه بن الزبير فقال لا مرحباً ولا أهلاً ، خب ضب تلقه يدخل رأسه ويضرب بذنبه ويوشك والله أن يؤخذ بذنبه ويدق ظهره ، نحياه عني فضرب وجه راحلته . ثم لقيه عبد الرحمن بن أبي بكر فقال له معاوية لا أهلاً ولا مرحباً ، شيخ قد خرف وذهب عقله ثم أمر فضرب وجه راحلته . وفعل بابن عمر ذلك . وخطب معاوية بالمدينة فذكر يزيد فمدحه وقال من أحق منه بالخلافة في فضله وعقله وموضعه ، وما أظن قوماً بمنتهين حتى تصيبهم بوائق تجتث أصولهم ، وقد أنذرت إن أغنت النذر . ثم دخل على عائشة وقد بلغها أنه ذكر الحسين وأصحابه فقال ، لأقتلنهم إن لم يبايعوا فشكاهم إليها . فوعظته وقالت له بلغني أنك تتهددهم بالقتل . فقال يا أم المؤمنين هم أعز من ذلك ، ولكني بايعت ليزيد وبايعه غيرهم ، افترين أن أنقض بيعة قد تمت. قالت فارفق بهم فإنهم يصيرون إلى ما تحب إنشاء الله . قال أفعل . وكان ضمن قولها له ، ما يؤمنك أن أقعد لك رجلاً يقتلك وقد فعلت بأخي ما فعلت ، تشير إلى أخيها محمد . فقال لها كلا يا أم المؤمنين إني في بيت آمن . قالت أجل . وخرج الحسين وأصحابه إلى مكة ومكث معاوية بالمدينة ما شاء ثم سار إلى مكة . فقال الحسين وأصحابه نتلقاه فلعله قد ندم على ما كان منه ، فلقوه وكان أول من لقيه الحسين ، فقال له معاوية مرحباً وأهلاً يا بن رسول الله وسيد شباب المسلمين ، وأمر له بدابة وسايره ، وفعل بأصحابه كذلك . وكان لا يمضي يوم إلا ولهم صلة منه . فقال بعضهم لبعض لا تخدعوا فما صنع بكم هذا لحبكم وما صنعه إلا لما يريد منكم ، فأعدوا له جواباً واتفقوا على أن يكون المتكلم له بن الزبير . فأحضرهم معاوية وقال قد علمتم سيرتي فيكم وصلتي لأرحامكم وحملي ما كان منكم ، ويزيد أخوكم وبن عمكم ، وأردت أن تقدموه باسم الخلافة ، وتكونوا أنتم تعزلون وتؤمرون وتجبون المال وتقسمونه لا يعارضكم في شئ من ذلك . فسكتوا . فقال ألا تجيبون مرتين ، ثم أقبل على بن الزبير فقال ، هات لعمري إنك خطيبهم . فقال نعم نخيرك بين ثلاث . قال أعرضهن . قال تصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كما صنع أبو بكر أو كما صنع عمر . قال معاوية ما صنعوا . قال قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يستخلف أحداً فارتضى الناس أبا بكر . قال ليس فيكم مثل أبا بكر وأخاف الاختلاف . قالوا صدقت فاصنع كما صنع أبو بكر فإنه عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه ، وإن شئت فاصنع كما صنع عمر جعل الأمر شورى في ستة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه . قال معاوية هل عندك غير هذا . قال لا . ثم قال فأنتم . قالوا قولنا قوله قال فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر ، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إليَّ القائم منكم فيكذبني على رؤوس الناس فاحمل ذلك وأصفح ، وإني قائم بمقالة ، فأقسم بالله لئن رد عليَّ أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه فلا يبقين رجل إلا على نفسه ، ثم دعا بصاحب حرسه بحضرتهم فقال أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين ومع كل واحد سيف ، فإن رد رجل منهم علىَّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما . ثم خرج وخرجوا معه حتى رقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ، إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم لا يبتزا مردونهم ولا يقضى إلا عن مشورتهم وإنهم رضوا وبايعوا ليزيد فبايعوا على اسم الله . فبايع الناس وكانوا ينتظرون بيعة هؤلاء النفر . ثم انصرف إلى المدينة . ولقي الناس الحسين وأصحابه فقالوا لهم زعمتم أنكم لا تبايعون ، فلم رضيتم واعطيتم وبايعتم . قالوا والله ما فعلنا . فقالوا ما منعكم أن تردوا على الرجل . قالوا كادنا وخفنا القتل . وجفا معاوية بني هاشم فأتاه بن عباس فقال له ، ما بالك جفوتنا . قال إن صاحبكم لم يبايع ليزيد ، فَلِمَ تنكروا ذلك عليه . فقال يا معاوية إني لخليق أن أنحاز إلى بعض السواحل فأقيم به ، ثم أنطلق بما تعلم حتى أدع الناس كلهم خوارج عليك . قال يا أبا العباس تعطون وترضون وتزدادون . وروي أن عاملاً لعمر جاءه وكان من الشام فقال له ، يا أمير المؤمنين رأيت كأن الشمس والقمر اقتتلا ومع كل واحد منهما فرقة من النجوم . فقال له عمر ومع أيهما كنت . فقال مع القمر . قال مع الآية الممحوّة ، لا عملت لي عملاً أبداً وعزله ، وبعد ذلك قتل هذا الرجل مع معاوية في حرب صفين . وروي أن معاوية رأى رجلاً مع بعض خطاياه في بعض حجر قصره فذهب مسرعاً إلى الحجرة وطرق بابها ، فقيل مَنْ ، قال أمير المؤمنين . ففتح الباب إذ لابد من فتحه طوعاً أو كرهاً . فدخل معاوية فوقف على رأس الرجل وهو منكس رأسه وقد خاف خوفاً عظيماً . فقال له معاوية يا هذا ما الذي حملك على ما صنعت من دخولك قصري وجلوسك مع حرمي ، أما خفت نقمتي ، أما خشيت سطوتي ، أخبرني يا ويلك ما الذي حملك على هذا . فقال يا أمير المؤمنين حملني على ذلك حلمك . فقال له معاوية أرأيت إن عفوت عنك تسترها عليَّ فلا تخبرها أحداَ . قال نعم . فعفا عنه ووهب له الجارية وما في حجرتها وكانت أشياءً لها قيمة عظيمة . قال الطرطوشي فانظر إلى هذا الدهاء العظيم والحلم الواسع كيف يطلب الستر من الجاني . ومن مكر معاوية ما روي أن أسامة بن زيد قاوَلَ عمرو بن عثمان في أمر ضيعة يدعيها كل واحد منهما ، فلجَت بهم الخصومة ، فقال عمرو يا أسامة أتأنف أن تكون مولاي . فقال أسامة والله ما يسرني بولائي من رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبك ، ثم ارتفعا إلى معاوية فلجّا بين يديه في الخصومة . فتقدم سعيد بن العاصي إلى جانب عمرو فجعل يلقنه الحجة ، فتقدم الحسن إلى جانب أسامة يلقنه ، فوثب عتبة بن أبي سفيان فصار مع عمرو ووثب الحسين فصار مع أسامة ، فقام عبد الرحمن بن أم الحكم فجلس مع عمرو فقام عبد الله بن عباس فجلس مع أسامة فقام الوليد بن عقبة فجلس مع عمرو فقام عبد الله بن جعفر فجلس مع أسامة ، فقال معاوية الجلية عندي ، حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقطع هذه الضيعة أسامة ، فانصرف الهاشميون وقد قضي لهم فقال الأمويون لمعاوية هلا إذ كانت هذه القضية عندك بدأت بها قبل التحزب أو أخرتها عن هذا المجلس . وروي أن يزيد بن معاوية قال لأبيه يوم بويع له ، يا أمير المؤمنين والله ما ندري أنخدع الناس أم يخدعوننا . فقال له معاوية كل ممن أردت خديعته فتخادع لك حتى تبلغ منه حاجتك فقد خادعته . وقال عبد الرحمن بن حسان متغزلاً في بنت معاوية بن أبي سفيان : ا
صاح حياً إلا له أهــلاً وداراً .............. عند أصل القناة من جيرون
عن يساري إذا دخلت من الباب ............ وإن كنت خارجاً فيمينــي
فبتلك ارتهنت بالشام حتـــى .............. ظن أهلي مرجَّمات الظنون
وهي زهـرة مثل لؤلؤة الغواص ........... ميزت مــن جوهر مكنون
وإذا نسبتها لـــم تجدهــا ................ في سناء من المكـارم دون
ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء .......... تمشي في مرمر مسنــون
فقال اليزيد بن معاوية لأبيه أما سمعت قول بن حسان في ابنتك . قال وما الذي قال . قال يزيد قال :ا
وهي زهرة مثل لؤلؤة الغواص ........... ميزت مــن جوهر مكنون
قال معاوية صدق . فقال يزيد وقال : ا
وإذا نسبتها لم تجـــدها ................. في سناء من المكارم دون
قال معاوية صدق . فقال يزيد إنه قال : ا
ثم خاصرتها إلى القبة الخضراء .......... تمشي في مرمر مسنــون
قال معاوية كذب . وروي أن معاوية صعد المنبر يوم الجمعة فقال في خطبة أيها الناس إن المال مالنا والفئ فيؤنا من شئنا أعطيناه ومن شئنا منعناه ، فلم يجبه أحد ، فلما كان في الجمعة الثانية قال كذلك ولم يجبه أحد ، فلما كانت الجمعة الثالثة قال كذلك ، فقام إليه رجل فقال كلا يا معاوية ، ألا إن المال مالنا والفئ فيؤنا من حال بيننا وبينه حاكمناه إلى الله تعالى بأسيافنا . فنزل معاوية وأرسل إلى الرجل فأدخل عليه فقال الناس هلك الرجل ، ثم فتح معاوية الأبواب فدخل الناس فوجدوا الرجل معه على السرير ، فقال معاوية أيها الناس إن هذا الرجل أحياني أحياه الله ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستكون أئمة من بعدي يقولون فلا يرد عليهم يتـقاحمون في النار كما تتقاحم القردة ، وإني تكلمت أول جمعة فلم يرد عليَّ أحد فخشيت أن أكون منهم ، ثم تكلمت في الجمعة الثانية فلم يرد عليَّ أحد ، فقلت في نفسي أنت من القوم ، فتكلمت في الجمعة الثالثة فقام إليَّ هذا الرجل فرد عليَّ فأحياني أحياه الله ، فرجوت أن يخرجني الله منهم . قال الحسن البصري أربع خصال كن في معاوية ، لو لم تكن فيه واحدة لكانت موبقة ، إنتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورة وفيهم بقايا الصحابة وذووا الفضيلة ، واستخلافه بعد ابنه سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير ، وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وقتله حجراً وأصحاب حجر ، فيا ويلاً له من حجر ويا ويلاً له من حجر وأصحاب حجر . وقيل في رثاء حجر :ا
ترفع أيها القمر المنيـــر .............. تبصر هل ترى حجراً يسير
يسير إلى معاوية بن حـرب .............. ليقتله كما زعــم الأمير
يرى قتل الخيار عليه حقـاً ............... له من شر أمته وزيــر
ألا ليت حجراً مات يــوماً .............. ولم ينحر كما ينحر البعير
تجبرت الجبابر بعد حجــر ............ وطاب لها الخورنق والدير
ألا يا حجر حجر بني عـدي ............. تلقتك السلامـة والسرور
أخاف عليك ما أردى عديـاً ........... وشيخاً في دمشق له زئير
فإن تهلك فكل زعيم قـوم .............. من الدنيا إلى هلك يصـير
فرضوان الإله عليك ميتـاً ............... وجنات بها نعــم وحـور
موت معاوية
بلغ معاوية من العمر ما بلغ وتخلف على المسلمين ما شاء الله ، وأحس معاوية بدنو أجله من كبر سنه ، وقد دق عظمه ووهن لحمه والموت أمر لابد منه . فذات يوم تذكر معاوية الموت وعلم أنه لابد تارك هذه الدنيا وهذا النعيم ، وإنما هو كأس لابد لكل حي من احتسائه . تذكر معاوية هذا بإيحاء من شيخوخته وتقدمه في السن ، ويا ليت معاوية تذكره قبل أن يصنع ما صنع لأخذ الخلافة ، وليته تذكر يوم ذكَّره به علي بن أبي طالب وغيره ، وليته تذكره قبل قتله من قتل ، ولكن معاوية لم يتذكر الموت إلا في الكبر وعند دنو الأجل ، ولم تذكره نفسه إلا بعد أن نالت كل شهواتها من الدنيا ولم يعد لها أية شهوة . فها هو قد أخذ الخلافة وحكم جميع الناس وتحكم في رقابهم وأموالهم وخصوصاً الهاشميين . وقد صفت له الخلافة أكثر من تسعة عشر عاماً ، وقد بلغ سنه خمساً وثمانون عاماً . فلما شعر بدنو أجله قام خطيباً فقال ، إني كزرع مستحصد وقد طالت إمرتي عليكم حتى مللتكم ومللتموني ، وتمنيت فراقكم وتمنيتم فراقي ، ولن يأتيكم بعدي إلا من أنا خير منه ، كما أن من قبلي كان خيراً مني ، ومن أَحَبَ لقاء الله أحب الله لقاءه . اللهم إني قد أحببت لقاءك فأحبب لقائي وبارك لي فيه . ولم يمض غير قليل حتى ابتدا به المرض . ويقول صاحب كتاب شهيد كربلاء نزل بمعاوية الداء العياء فأيقن أن الدنيا دار فناء وعناء وغير ، وعبر سلطانها دول وعيشها كدر وعذبها أجاج وحلوها صبر . وأيقن أن ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب ، وأن الدهر موتر قوسه لا يخطئ سهامه ، يرمي الحي بالموت والصحيح بالسقم ، فتمثل بقول بعضهم : ا
هو الموت لا منجا من الموت والذي ............ نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع
واستقر به الداء حتى أعيى نطي الأطباء ، وأزف الرحيل واجتمع الطبيب والعليل والعائد يغمز عينيه والطبيب يقلب كفيه . ولما اشتد به المرض دعا ابنه يزيد فقال له ، يا بني إني كفيتك الشد والترحال ووطأت لك الأمور وذللت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد ، فانظر إلى أهل الحجاز فإنهم أصلك وأكرم من قدم عليك منهم وتعاهد من غاب ، وانظر أهل العراق فإنْ سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فافعل ، فإن عزل عامل أيسر من أن يشهر عليك مائة ألف سيف . وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك ، فإن رابك من عدوك شئ فانتصر بهم فإذا أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم ، فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم تغيرت أخلاقهم ، وإني لست أخاف عليك أن ينازعك هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش ، الحسين بن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر ، فأما بن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة ، فإذا لم يبق أحد غيره بايعك . وأما الحسين بن علي فلن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه ، فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم . وأما بن أبي بكر فإنْ رأى أصحابه صنعوا شيئاً صنع مثلهم ، ليس له همة إلا في النساء واللهو . وأما الذي يجثم لك جثوم الأسد ويراوغك مراوغة الثعلب فإن أمكنته فرصة وثب ، فذاك بن الزبير ، فإن هو فعلها بك فظفرت به فقطعه إرباً ، إرباً واحقن دماء قومك ما استطعت . وقيل أن عبد الرحمن بن أبي بكر كان قد مات قبل هذا . ولما اشتدت علته وتحدث الناس أنه الموت قال معاوية لأهله احشوا عيني أثمدا واصبغوا رأسي دهناً ، ففعلوا وبرق وجهه من الدهن ، ثم مهدوا له مجلساً وأسندوه وأذنوا للناس فدخلوا وسلموا عليه ، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلاً : ا
وتجلدي للشامتين أربهم ........... إني لريب الدهر لا أتضعضع
فسمعه رجل من العلويين فأجابه : ا
وإذا المنية أنشبت أظفارها ........... ألفيت كل تميمة لا تنفع
وجمع أهله فقال معاوية ، ألستم أهلي . قالوا بلى فداك الله بنا . فقال وعليكم حزني ولكم كدي وكسبي. قالوا بلى فداك الله بنا . قال فهذه نفسي قد خرجت من قدمي فردوها عليَّ إن استطعتم . فبكوا وقالوا ما لنا إلى هذا من سبيل . فرفع صوته بالبكاء ثم قال فمن تغره الدنيا بعدي ، ثم قال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساني قميصاً فحفظته وقلم أظفاره يوماً فأخذت قلامته فجعلتها في قارورة ، فإذا مت فألبسوني ذلك القميص واسحقوا تلك القلامة وذروها في عيني وفمي فعسى الله أن يرحمني ببركتها ، ثم تمثل قائلاً : ا
إذا مت مات الجود وانقطع الندى .......... من الناس إلا من قليل مصرد
وردت أكف السائلين وامسكـوا ........... من الدين والدنيا بخلف مجدد
فقالت إحدى بناته كلا يا أمير المؤمنين بل يدفع الله عنك . فقال متمثلاً وإذا المنية البيت ، وقال لأهله اتقوا الله فإنه لا واقي لمن لا يتقي الله ، وأوصى أن يرد نصف ماله إلى بيت المال كأنه أراد أن يطيب له الباقي . وأنشد : ا
إن تناقش يكن نقاشك يا رب ............. عذاباً لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت رب صفـوح ............. عن مسيء ذنوبه كالتراب
وأخذت ابنته رملة رأسه في حجرها . فقال معاوية لبناته قلبنني . ففعلن . فقال إنكن لتقلبْنَه حوَّلاً قلَّبا جمع المال من شب إلى دب فليته لا يدخل النار ، ثم تمثل : ا
لقد سعيت لكم من سعى ذي نصب ........... وقد كفيتكم التطواف والرحلا
وبلغه أن قوماً يفرحون بموته فأنشد : ا
فهل من خالد إن ما هلكنا ............. وهل بالموت يا للناس عار
وقال معاوية وهو يجود بآخر أنفاسه ، يومي منك يا حجر طويل . ثم مات رحمه الله وغفر له. ا
تولية زياد بن أبيه وموته
بعد أن استلحق معاوية زياداً ولاه البصرة والفسق فيها ظاهر فاش ، فخطبهم خطبته البتراء ، فحمد الله فيها وقال ، أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء والفجر الموقد لأهله النار الباقي عليهم سعيرها ، ما يأتي سفهاؤكم ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام ، فيثب فيها الصغير ولا يتحاشى عنها الكبير ، كأن لم تسمعوا نبي الله ولم تقرءوا كتاب الله ، ولم تعلموا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمد الذي لا يزول . أتكونون كمن طرفت عينه الدنيا وسدت مسامعه الشهوات ، واختار الغانية على الباقية ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه . ما هذه المواخير المنصوبة والضعيفة المسلوبة في النهار المبصر والعدد غير قليل ، ألم تكن منكم نهاة تمنع الغواة عن دلج الليل وغارة النهار ، قربتم القرابة وباعدتم الذين يعتذرون بغير العذر ، وتعطفون على المختلس ، كل امرئ منكم يذب عن سفيهه صنيع من لا يخاف عاقبة ولا يخشى معاداً ، ما أنتم بالحلماء ولقد اتبعتم السفهاء ، فلم يزل بهم ما ترون من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام ، ثم أطرقوا وراءكم كنوساً في مكانس الريب ، حرام عليَّ الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدماً وإحراقاً ، إني رأيت آخر هذا الأمر لا يصلح إلا بما صلح به أوله ، لين في غير ضعف وشدة في غير جبرية وعنف ، وإني أقسم بالله لأخذن الولي بالولي والمقيم بالظاعن والمقبل بالمدبر والصحيح منكم بالسقيم ، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول انج سعد فقد هلك سعيداً ، وتستقيم لي قناتكم ، إن كذبة المنبر مشهودة أي تبقى مشهورة، فإذا تعلقتم عليَّ بكذبة قلت حلت لكم معصيتي ، من يبيت منكم فأنا ضامن لما ذهب له إياي ، وولج الليل فإني لا أوتي بمدلج إلا سفكت دمه وقد أجلتكم في ذلك بقدر ما يأتي الخبر الكوفة ويرجع إليكم ، إلى أن قال فكفوا عني أيديكم وألسنتكم أكفف عنكم لساني ويدي ، وأذاي لا يظهر من أحد منكم خلاف ما عليه عامتكم ، إلا ضربت عنقه . أيها الناس إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم زاده ، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونزود عنكم بقي الله الذي خولنا ، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا ، ولكم علينا العدل فيما ولينا ، فاستوحيبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم ، أسأل الله أن يعين كلاً على كل ، فإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله، وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي . فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال ، أشهد أيها الأمير إنك أوتيت الحكمة وفصل الخطاب . فقال كذبت فذلك نبي الله داود . فقال الأحنف قد قلت فأحسنت أيها الأمير والثناء بعد البلاء والحمد بعد العطاء ، وإنا لن نثني حتى نبتلي . فقال زياد صدقت . فقام إليه أبو بلال مرواس وهو من الخوارج وقال ، أنبأ الله بغير ما قلت ، قال الله تعالى وإبراهيم الذي وفي ألا تزر وازرة وزر أخرى وإن ليس للإنسان إلا ما سعى ، فأوعدنا الله خيراً مما أوعدتنا يا زياد . فقال زياد إنا لا نجد إلى ما تريد أنت وأصحابك سبيلاً حتى تخوض إليها الدماء . وأجل الناس حتى بلغ الخبر الكوفة وعاد إليه وصول الخبر ، فكان يؤخر العشاء ثم يصلي ويأمر رجلاً أن يقرأ سورة البقرة فإذا فرغ أمهل بقدر ما يرى أن إنساناً يبلغ أقصى البصرة ثم يأمر صاحب الشرطة بالخروج فيخرج فلا يرى إنساناً إلا قتله . وأخذ ذات ليلة أعرابياً فأتى به إلى زياد فقال ، هل سمعت النداء . فقال الأعرابي لا والله ، قدمت بحلوبة لي وغشيني الليل فاضطررتها إلى موضع وأقمت لأصبح ولا علم لي بما كان من الأمير . فقال أظنك والله صادقاً ، ولكن في قتلك صلاح هذه الأمة ، ثم أمر به فضربت عنقه . وكان زياد أول من شدد أمر السلطان وأكد الملك لمعاوية وجرد سيفه وأخذ بالظنة وعاقب على الشبهة وخافه الناس خوفاً شديداً حتى أمن بعضهم بعضاً ، وحتى كان الشيء يسقط من يد الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه . ولا يغلق أحد بابه . وكتب زياد إلى الحكم بن عمرو الغفاري بعد انصرافه من غزوة جبل الأشل أن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أصطفي إليه الصفراء والبيضاء ، فلا تقسم بين الناس ذهباً ولا فضة . فكتب إليه الحكم بلغني ما أمر به أمير المؤمنين ، وإني وجدت كتاب الله قبل كتابه وإنه والله لو أن السماء والأرض كانتا رتقاً على عبد ثم اتقى الله لجعل له مخرجاً وفرجاً . ثم قال للناس اغدوا على أعطياتكم وما لكم فقسمه بينهم ، ثم قال اللهم إن كان لي عندك خير فاقبضني إليك ، فتوفى وله صحبة . وكان زياد حاكماً قوياً يأخذ بالظنة ويقتل بالشبهة وبالجملة ، فكانت سياسة حكمه حسب هوى معاوية من اضطهاد للهاشميين وشيعتهم ، وقد نجحت حيلة معاوية فيه ، فأخلص تماماً له وللأمويين لأنه كان يعتقد أنه بن أبي سفيان كما زعم معاوية . وقد كتب زياد إلى السيدة عائشة رضي الله عنها بعد استلحاقه لتكتب إليه من عائشة أم المؤمنين إلى زياد بن أبي سفيان ، وبذلك تكون شهادة منها بأنه بن أبي سفيان حقاً ، ولكنها كتبت من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد . وعظم ذلك على المسلمين عامة وعلى بني أمية خاصة . وأراد زياد أن يحج بعد استلحاقه ، فسمع أخوه أبو بكرة بذلك وكان مهاجراً له ، فجاء إلى بيته وأخذ نباله وقال له يا بني قل لأبيك أنني سمعت أنك تريد الحج ولابد من قدومك إلى المدينة ولا شك أن تطلب الاجتماع بأم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن أذنت لك فاعظم به خزياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن منعتك فاعظم به فضيحة في الدنيا وتكذيباً لأعدائك. فترك زياد الحج وقال جزاك الله خيراً فقد بالغت في النصح . وكتب زياد إلى معاوية إني قد ضبطت العراق بشمالي ، ويميني فارغة لطاعتك فاشغلها بالحجاز . فكتب له عهده على الحجاز . فبلغ أهل الحجاز فأتى نفر منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فذكروا له ذلك . فاستقبل القبلة وقال ، اللهم اشغل عنا يمين زياد بما شئت . فأصابه الطاعون في يمينه ، فأجمع رأي الأطباء على قطعها فاستشار شريحا فيما رآه الأطباء . فأشار عليه بعدم القطع وقال له ، لك رزق مقسوم وأجل معلوم وإني أكره إن كانت لك مدة أن تعيش في الدنيا بلا يمين ، وإن كان قد دنا أجلك أن تلقى الله مقطوع اليد ، فإذا سألك لما قطعتها ، قلت فراراً من قضائك وبغضاً في لقائك . فقال لا أبيت والطاعون في لحاف واحد . وأراد زياد قطعها ، فلما نظر إلى النار والمكاوي جزع وتركه . ولام الناس شريحا لمنعه من القطع لبغضهم له . فقال إنه استشارني ولو لا أن المستشار مؤتمن لوددت أنه قطع يوماً يده ويوماً رجله وسائر أعضائه يوما ، يوما . ولما حضرته الوفاة قال له ابنه قد هيأت لك ستين ثوباً أكفنك بها . فقال له يا بني قد دنا من أبيك لباس هو خير من لباسه ثم مات . ولما بلغ موته بن عمر قال ، أذَهَبَ بن سمية ، لا الآخرة أدركت ولا الدنيا بقيت عليك .ا
خلافة يزيد وأعماله
يقول صاحب كتاب شهيد كربلاء ، مات معاوية وشاء القدر الساخر أن يلي يزيد إمامة الغصب. تلك الإمامة التي شعبت بها الناس وصارت كالإبل غاب رعاتها ، كلما جمعت من جانب تفرقت من جانب آخر . فكانت أعماله الصالحة مناوأة الذين رفضوا البيعة له في أيام أبيه . فكتب إلى الوليد بن عتبة عامله على المدينة يخبره بهلاك معاوية ويقول فيه ، أما بعد ، فخذ الحسين وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا . فأحضر الوليد مروان بن الحكم وكان بالمدينة وقرأ عليه كتاب يزيد واستشاره كيف يصنع . قال أرى أن تدعوهم الساعة وتأمرهم بالبيعة ، فإن فعلوا قبلت منهم وكففت عنهم ، وإن أبوا ضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإنهم إن علموا وثب كل منهم بناحيته وأظهر الخلاف ودعا إلى نفسه . أما بن عمر فإنه لا يرى القتال ولا يحب أن يلي على الناس إلا أن يدفع إليه هذا الأمر عفواً . فأرسل الوليد عبد الله بن عمرو بن عثمان وهو غلام إلى الحسين وبن الزبير يدعوهما فوجدهما في المسجد وهما جالسان ، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس . فقال أجيبا الأمير . فقالا انصرف ، الآن نأتيه ، وقال بن الزبير للحسين ما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس فيها . فقال الحسين أظن طاغيتهم قد هلك فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يفشو في الناس الخبر . فقال بن الزبير وأنا ما أظن غيره ، فما نريد أن تصنع . فقال الحسين اجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه وأجلسهم على الباب وادخل عليه . قال فإني أخافه عليك إذا دخلت . قال الحسين لا آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع . وقام فجمع إليه أصحابه وأهل بيته ثم أقبل على باب الوليد وقال لأصحابه إني داخل فإذا دعوتكم أو سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليَّ بأجمعكم ، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم. ثم دخل فسلم ومروان عنده ، وكان بينه وبين الوليد بعض القطيعة لأسباب . فقال لهما الحسين الصلة خير من القطيعة ، والصلح خير من الفساد ، وقد آن لكما أن تجتمعا أصلح الله ذات بينكما . وجلس فأقرأه الوليد الكتاب ونعى له معاوية . فاسترجع الحسين وترحم عليه . فدعاه إلى البيعة . فقال الحسين أما البيعة فإن مثلي لا يبايع سراً ولا يجتزى بها مني سراً ، فإذا خرجت إلى الناس ودعوتهم للبيعة ودعوتني معهم كان الأمر وأحداً . فقال له الوليد وكان يحب العافية ، انصرف . فقال له مروان لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه ، احبسه فإن بايع وإلا ضربت عنقه . فوثب عند ذلك الحسين وقال ، ويلي عليك يا بن الزرقاء ، أأنت تقتلني ، أم هو ، كذبت والله ولؤمت ، ثم خرج حتى أتى منزله . فقال مروان للوليد عصيتني لا والله لا يمكنك من نفسه بمثلها أبداً . فقال الوليد ويح غيرك يا مروان ، والله ما أحب إن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإني قتلت الحسين أن قال لا أبايع ، والله إني لا أظن أن امرأ يحاسب بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة . قال مروان لو كنت مكانك لضربت عنقه . فقال ليتني لم أك شيئاً مذكوراً . وقيل أن الحسين قال للوليد أيها الأمير أنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، بنا فتح الله وبنا ختم ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرمة معلن بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة . وهنا هجم فتيانه فخرج معهم . نظر مروان إلى الوليد وهو يتلعج من الغيظ ، فقال الوليد ويحك إنك أشرت عليَّ بذهاب ديني ودنياي . وأما بن الزبير فقال الآن آتيكم ، ثم أتي داره فكمن فيها . ثم بعث إليه الوليد فوجده قد جمع أصحابه واحترز . فألح عليه الوليد وهو يقول أمهلوني . فبعث إليه الوليد مواليه فشتموه وقالوا له يا بن الكاهلية لتأتين الأمير أو ليقتلنك . فقال لهم والله لقد استربت لكثرة الإرسال ، فلا تعجلوني حتى أبعث إلى الأمير من يأتيني برأيه . فبعث إليه أخاه جعفر بن الزبير فقال رحمك الله كف عن أخي عبد الله ، فإنك قد أفزعته وذعرته بكثرة رسلك وهو يأتيك غداً إنشاء الله ، فمر رسلك فلينصرفوا عنه . فبعث إليهم فانصرفوا . وخرج بن الزبير من ليلته هو وأخوه جعفر وسارا نحو مكة . فسرح الوليد الرجال في طلبه فلم يدركوه ، فرجعوا وتشاغلوا به عن الحسين ليلتهم . وفي ثاني ليلة خرج الحسين إلى مكة وأخذ معه بنيه وأخوته وبني أخيه الحسن ، وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له ، يا أخي أنت أحب الناس إليَّ وأعزهم عليَّ ، ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك ، تنح ببيعتك عن يزيد وعن الأمصار ما استطعت ، وابعث رسلك إلى الناس وادعهم إلى نفسك ، فإن بايعوا لك حمدت الله على ذلك ، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك ، ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك ، إني أخاف أن تأتي مصراً وجماعة من الناس فيختلفوا عليك ، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك فيقتتلون فتكون لأول الأسنة، فإن خير هذه الأمة كلها نفساً وأباً وأماً أضيعها دماً وأذلها أهلاً . قال الحسين فأين أذهب يا أخي . قال انزل مكة ، فإن اطمأنت بك الدار فبسبيل ذلك وأن نأت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال ، وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير إليه أمر الناس ويفرق لك الرأي ، فإنك أصوب ما يكون رأياً وأحزمه عملاً حين تستقبل الأمور استقبالاً ولا تكون الأمور عليك أبداً أشكل منها حين تستدبرها . فقال يا أخي قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديداً وموفقاً إنشاء الله . وخرج الحسين بمن معه إلى مكة . وقال صاحب كتاب شهيد كربلاء استقبل الحسين رضي الله عنه أمراً لا تطمئن به القلوب ولا تثبت معه العقول ، فالدولة اليزيدية كلها تناوئه ، حتى مروان ذلك الشخص الذي رضع المكر واغتذت نفسه بالدهاء ، فإنه لم يحفظ يده التي أطلقته من الأسر يوم الجمل ، ولكن سمن كلبك يأكلك . ويزيد طيش من فراشه وليس كمعاوية الداهية المتحفظ ، وكثيراً ما أعلن عداءه لآل البيت . فقلب أنف هذا الأمر وعينه وظهره وبطنه فلم يجد بداً من الهجرة ، فذهب ليلاً إلى قبر جده صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليك يا رسول الله ، أنا الحسين بن فاطمة فرخك وبن فرخك وبن فرختك ، وسبطك الذي خلفتني في أمتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني وضيعوني ولم يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك . ثم قام فصف قدميه فلم يزل راكعاً وساجداً . فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً وصلى ركعات ، فلما فرغ من صلاته جعل يقول ، اللهم هذا قبر نبيك محمد وأنا بن بنت نبيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمت ، اللهم إني أحب المعروف وأنكر المنكر وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحق القبر ومن فيه إلا اخترت لي ما هو لك رضا ولرسولك رضا . وظل مستسلماً للعبرة حتى إذا قرب الفجر مال برأسه على القبر ، وهنا سرقته عينه ودب في أجفانه دبيب النعاس ، فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقبل حتى ضمه إلى صدره وقبله بين عينه وقال ، حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مزيلاً بدمائك مذبوحاً بأرض كربٍ وبلاء من عصابة من أمتي وأنت مع ذلك عطشان لا تسقى ، وظمآن لا تروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي يوم القيامة ، حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قدموا عليَّ وهم مشتاقون إليك وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة . فجعل الحسين في منامه ينظر إلى جده ويقول ، يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم ، فإنك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة حتى تدخلوا الجنة . فانتبه الحسين من نومه فزعاً ثم قص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب . فلم يكن في ذلك اليوم أحد أشد غماً من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم . ويقول حسر الصبح عن وجهه نقاب الظلام ، فخرج الحسين يتسمع الأخبار فلقيه مروان بن الحكم فقال ، يا أبا عبد الله إني لك ناصح ، فأطعني ترشد . فقال الحسين وما ذاك ، قل حتى أسمع . فقال مروان إني آمرك ببيعة يزيد بن معاوية ، فإنه خير لك في دينك ودنياك . فقال الحسين إنا لله وإن إليه راجعون ، وعلى الإسلام السلام ، إذ قد بليت الأمة براع مثل يزيد ، ولقد سمعت جدي يقول الخلافة محرمة على آل أبي سفيان ، وطال الحديث بينهما حتى انصرف مروان وهو غضبان . وبعث الوليد في ذلك اليوم الرجال إلى الحسين ليحضر فيبايع . فطاولهم في الأمر وقال اصبحوا ثم ترون ونرى. فكفوا تلك الليلة عنه ولم يلحوا عليه . ويقول أيضاً صاحب الكتاب المذكور ، أصبح الحسين هدفاً لسهام مطامع يزيد ، فوجد نفسه مقتولاً بايع أو لم يبايع ، فهل يبقى في المدينة غرضاً لنابل وفريسة لصائل وأكْلة لآكل ، وهل يعدل عن رأيه فيبايع يزيد ويطيعه في معصية الخالق ، كلا فالحسين لا تحدث شفتاه الكذب ولا يدين إلا بالحق ولا يهوى إلا العدل ، فلن يبسط يده لبيعة يرى فيها الذل اللازم والعار الباقي ، فإذا قتل ولم يبايع فإنما هي قتلة يلقى بها الله أملس ليس عليه تَبِعة ، بل هي قتلة يحيا بها وتحيا بها الأمة : ا
لا تحسبن ذهاب نفسك ميتة ............ ما الموت إلا أن تعيش مذللاً
أنف الحسين المقام بدار ذل فتجهز وأهله للهجرة . ولما بسط الليل جناحه على الكون ذهب ليودع قبر أمه وقبر أخيه الحسن ، وأقبل أخوه محمد بن الحنفية لوداعه ، فودعه ونصحه محمد بما ذكر آنفاً . فقال له الحسين والله يا أخي لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية . فقطع محمد بن الحنفية كلامه وبكيا ، ثم قال الحسين أرجو أن يكون رأيك سديداً موفقاً ، وأنا عازم على الخروج إلى مكة وقد تهيأت لذلك أنا وأخوتي وبنو أخي وشيعتي ، أمرهم أمري ورأيهم رأيي ، وأما أنت يا أخي فلا عليك أن تقيم بالمدينة فتكون لي عيناً عليهم ولا تخفي عني شيئاً من أمورهم . ثم دعا بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد ، ا بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية ، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله جاء بالحق من عند الحق وأن الجنة حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ، وإني لم أخرج شراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي ، أريد أن أمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن رَدَّ عليَّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيتي إليك يا أخي وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ، ثم طوى الكتاب وختمه بخاتمه ثم دفعه إلى أخيه محمد .ا وأقبلت نساء بني عبد المطلب لوداع ذلك المهاجر الكريم الذي يخرج من بلاده التي ولد فوق أريحها ونشأ تحت سمائها واستنشق نسيم الحياة بين ربوعها ، لا ذنب جناه سوى أنه لم يبايع يزيد ، لا بل لأنه من بني هاشم وأنه يسود يزيد ويعلوه .ا
تعد ذنوبي عند القوم كثيرة ............ ولا ذنب لي إلا العلا والفضائل
ودقت ساعة الرحيل ودق لها قلب كل مودع وخفق لها قلب كل مهاجر ، وجادت بالدموع المحاجر فما أشبه هذه الهجرة بالهجرة النبوية ، وما أشبه يزيد بأبي سفيان . وخرج الحسين من المدينة وهو يقرأ ( فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين ) . فقال له أهل بيته لو تنكبت الطريق الأعظم كما فعل بن الزبير كي لا يلحقك الطلب . فقال لا والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاض . ولقيه عبد الله بن مطيع فقال له ، جعلت فداك أين تريد . قال أما الآن فمكة ، وأما بعد فإني أستخير الله . قال خار لك وجعلنا فداك ، فإذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة فإنها بلدة مشؤومة ، بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه ، الزم الحرم فأنت سيد العرب ، لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً ويتداعى إليك الناس من كل جانب ، لا تفارق الحرم ، فداك عمي وخالي فوالله لئن هلكت لنسترقن بعدك . ودخل الحسين مكة وهو يقرأ ( ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل ) . ا ثم إن الوليد أرسل إلى بن عمر ليبايع . فقال إذا بايع الناس بايعت فتركوه وكانوا لا يتخوفونه ودخل بن الزبير مكة وقال أنا عائذ بالبيت .ا
لِمَ لم يبايع الحسين يزيدا ً
والحسين هو من نعلمه في الدين والتقوى والزهد العفاف ، ونراه الآن يقف عن بيعة يزيد ويأبى كل الأباء عن بيعته . ولو كان في امتناعه هجرته من بلده أو قتله ، ونراه قد صمم على الامتناع ورضي بالقتل عن البيعة ليزيد . وما الذي دعاه إلى كل هذا ، أكان يطلب الخلافة لنفسه إرضاء لشهوة ، لا بل كان يطلبها حرصاً لإسعاد المسلمين ، ورأى أن يزيد لا يفعل لهم هذا لأنه كان مشهوراً بالفسق وشرب الخمر ومولعاً بتربية القرود . ولم يكن يصلح في نظر الحسين ومَن على شاكلته أنه سيحقق للمسلمين آمالهم ، فلذلك لم يبايعه . وقد حدثتنا كتب التاريخ عن بعض فسقه ، فمن ذلك ما روي أنه كان يصطاد بالفهد ويلعب النرد ومدمناً للخمر وهو الذي قال فيها : ا
أقول لصحب ضمت الكأس شملهم ........... وداعي صبابات الهوى يترنم
خذوا بنصيب من نعيــم ولــذة ................ فكلٍ وإن طال المدى يتصرم
ويقول الراوي ولو مددت بأوراق لأطلقت العنان وبسطت الكلام في مخازي هذا الرجل . وروي أنه درَّب قرد ليزيد على ركوب الحمار وسابق به مع الخيل ، وفيه يقول يزيد لما سبق بأتان ركبها فارساً : ا
من مبلغ القرد الذي سبقت به ......... جواد أمير المؤمنين أتــان
تعلق أبا قسن بها إن ركبتهـا ........ فليس عليها إن هلكت ضمان
وإذا كان يزيد يطلب من الحسين أعز الأشياء لديه مما تملكه يده لأعطاه ، ولكنه طلب منه إمامة أمة جده وذلك مِلْكَاً للمسلمين وليس ملكا للحسين ، فكيف يلقي الحسين إلى يزيد الفاسق هذه الأمانة وهو يعلم تماماً أنه لا يصونها ، ولو سلمها لباء بوِزْرها أو على الأقل لشارك يزيد في عقابها . ويقول صاحب كتاب شهيد كربلاء ليست البيعة ألعوبة من الألاعيب ، إنما البيعة عهد وميثاق يعطي ما شرطه البائع على نفسه فيه من وفاء ونصح وموالاة ومشامية وطاعة وموافقة . فيشهد الحسين على نفسه أمام الوليد أن يزيد بن معاوية أمير المؤمنين المفترض عليه طاعته الواجب على الأمة إمامته وولايته اللازم لهم القيام بحقه والوفاء بعهده ، لا يشك فيه ولا يرتاب به ، وأنه ( الحسين ) ولي أوليائه وعدو أعدائه وأنه يتمسك في بيعته بوفاء العهد وذمة العقد سريرته مثل علانيته ، وضميره فيه وفق ظاهره ، وأنه لا يسعى في نقض شئ منها ولا يقعد عن نصرة له في الرخاء والشدة حتى يلقى الله موفياً بهذه البيعة مؤدياً للأمانة فيها . ويقول هذه البيعة التي يبسط لها الحسين يده ويطوقها عنقه ، والحسين الذي لا يبدل في قوله ولا يميل لا يرتبط بهذه البيعة ، بل بهذا العقد والميثاق لأسباب كثيرة منها ، ا
السبب الأول ـ ا
البيعة اختيارية لا إجبارية :ا يجب أن تكون البيعة طوع وإيثار ورضا واختيار يعطي ما شرطه البائع على نفسه فيها بإخلاص من طويته وصدق من نيته وانشراح من صدره وصحة من عزيمته ، طائعاً غير مكره ومنقاداً غير مجبر .ا لَمْ ينقَلْ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما عند الله إلا بعد أن ضرب المدى وأوضح الهدْي وأبان الصوى وأمَّن المسالك والمطارح وسهَّل المبارك والمهايع ، فقال صلى الله عليه وسلم إذا وليتم أبا بكر تجدوه قوياً في دين الله عز وجل ضعيفاً في بدنه ، وإذا وليتم عمر تجدونه قوياً في دين الله عز وجل قوياً في بدنه ، وإذا وليتم علياً تجدونه هادياً مهدياً .ا لم يعين النبي عليه الصلاة والسلام للناس خليفة بعده بل ترك الأمر شورى بينهم كما كان متبعاً عند العرب .ا خالف معاوية ذلك المبدأ الجمهوري الذي سار عليه الخلفاء الراشدين ولم يترك للناس الخيرة في انتخاب خليفتهم ، وجاء من بعده يزيد يسوم الممتنعين عن البيعة خسفاً ويسوقهم إليها عنفاً ، فالبيعة في هذه الحالة باطلة شرعاً .ا
السبب الثاني ـ ا
اختيار إمام الأمة . ا يجب أن يكون الإمام من أهل التقى والصلاح والقدم في الإسلام المتقدمة كبني هاشم أو بقايا الصحابة أو أهل الفضل ، فإنهم أكرم أخلاقاً وأصح أعراضاً ، بحيث يعمل على المحافظة على الدين وحراسة بيضته والحث على العمل به من غير تبديل فيه أو إهمال له وعمارة البلدان ، وتقدير ما يتولاه من الأمور بسنن الدين من غير تحريف في أخذها أو إعطائها ، ومعاناة المظالم وإقامة الحدود على مستحقيها بالعدل والإنصاف ، واختيار عماله في الأمور من أهل الكفاية والأمانة . ويقول ويزيد فضلاً عن أنه ليس من بني هاشم أو من بقايا الصحابة أو من أهل الفضل فهو غرّ مفتون قد وَهَي سقاؤه وهريق في الغلاة ماؤه ، اتبع الهوى والهوى إله يعبد من دون الله ، وقصَّر عمره على طرب ولهو ، واستشعر كل كبر وزهو حتى محي الإيمان من قلبه ، فما له فيه رسم ونسي الرحمن لسانه فما يمر عيه اسم ، وانتمت نفسه للضلال وانتسبت ونفت يوماً تجزي كل نفس فيه بما كسبت . زين له الشيطان حب الشهوات وترك بعض الصلوات وإماتتها في غالب الأوقات ، ولا جرم فالذنب يأتي على الذنب حتى يسودّ القلب . ولقد قال فيه عبد الرحمن بن سعيد بن زيد : ا
لست منا وليس خالك منا ........... يا مضيِّع الصلوات للشهوات
وشهر بيزيد الخمور لأنه يشرب ما تشرب عقله . وما من يوم إلا ويصبح فيه مخموراً . والخمر جماع الإثم . وقد اشتهر أصحاب الشراب بسوء العهد وقلة الحِفاظ ، ولا أضر على أضرار الخمر بالعقول السليمة من قول الشاعر :ا
شربت الإثم حتى ضل عقلي ............. كذاك الإثم تذهب العقول
وسقي قوم أعرابية مسكراً فقالت ، أيشرب نساؤكم هذا الشراب . قالوا نعم . قالت فما يدري أحدكم من أبوه . ويقول ولقد بلغت به جرأته واستهتاره بالدين أن حج في حياة أبيه فلما بلغ المدينة جلس على شراب له ، فاستأذن عليه بن عباس والحسين رضي الله عنهما ، فقيل له إن بن عباس إن وجد ريح الشراب عرفه ، فحجبه وأذن للحسين ، فلما دخل وجد رائحة الشراب مع الطيب فقال لله در طيبك ما أطيبه ، فما هذا . قال هو طيب يصنع بالشام ، ثم دعا بقدح فشربه ، ثم دعا بآخر فقال اسق أبا عبد الله . فقال الحسين عليك شرابك أيها المرء ، لا عين عليك مني . فقال يزيد :ا
ألا يا صاحب العجــب ........... دعوتك ذا ولم تجب
إلى الفتيات والشهـوات .......... والصهباء والطرب
وباطيــة مكلَّلـــة ................ عليها سادة العرب
وفيهن التي تَبَلَـــت ................ فؤادك ثم لم تتـب
فنهض الحسين وقال بل فؤادك يا بن معاوية تبلت .ا وشهر بيزيد القرود لأنه يقتنيها ويروضها ، يحوط القرد بعنايته ويكلؤه برعايته ويكنفه من أذى الحر والقر ويسهر لسهره ويسكن لسكونه ويفرح بعافيته ويغتم بشكايته ، ويلبسه قلانس الذهب ويشده على الفرس المسرجة بالحبال ويسوق به ، وإذا هلك القرد جعل نهاره ليلاً وناح عليه تلهفاً وويلاً وصار عرسه مأتماً وعاد أنسه محرماً . واشتهر برياضة الكلاب والدباب والخيل الجامحة والكباش الناطحة ، وهو أثير ذوات النقاب وأسير الكواعب الأتراب ، يضيع وقته في مجالس اللهو والغناء وارتشاف الصهباء ومغازلة كل غاوة هيفاء بين المسمعات الغانيات والقيان الفاتنات والغلمان الحسان ، حيث يشاهد الإنسان مناظر يتـندى لها جبين الإنسانية حياء ويحمر لها وجه الفضيلة خجلاً . فهذه جارية مقبلة يخطر الغصن النضر في ابرادها تدهق له الكأس تلو الكأس فلا يزال يشرب حتى يهوِّده الشراب ، وتلك راقصة في قوامها المعتدل وجسمها البض الذي لا تحجبه إلا غلالة رقيقة تطلع شمسا فتفتت نفساً وتميس غصناً فتثير شجناً ، وأخرى مسمعة تطربه بصوتها الرخيم وترشقه سهام الحاظها رشقاً وتقتله سيوف ألفاظها عشقاً . وهذه جارية قد شغلت شعاب قلبها عنه فتحرق قلبه صداً وتقلق جنبه رداً وتملأ جوانحه ناراً فيوفيها قرضاً ويجازيها حتى ترضى ، ولا أول على مفارقته اللذات وانهماكه على الشهوات من كتاب أبيه له في أيام خلافته :ا من معاوية بن أبي سفيان أمير المؤمنين إلى يزيد بن معاوية أما بعد ، فقد أدَّت السنة التصريح إلى أذن العناية بك ما فجع الأمل فيك وباعد الرجاء منك ، إذ ملأت العيون بهجة والقلوب هيبة وترامت إليك آمال الراغبين وهمم المتنافسين وشحَّت بك فتيان قريش وكهول أهلك ، فما يسوغ لهم ذكرك إلا على الجرَّة المهَوَّعة والكظ الجَشْئ ، اقتحمت البوائق واتقدت للمعاير واعتضتها من سمو الفَضَل ورفيع القدر ، فليتك يزيد إذ كنت لم تكن سَررْت يافعاً ناشئاً ، وأثكلت كهلاً ضالعاً ، فواحزناه عليك يزيد ويا حرّ صدر المثكل بك ، ما أشمت فتيان بني هاشم وأذل فتيان بني عبد شمس عند تـفاوض المفاخر ودراسة المناقب ، فمن لصلاح ما أفسدت ورتق ما فتقت ، هيهات خمشَتِ الدّرْبة وجه التصبر بك وأبت الجناية إلا تحرراً على الألسن وحلاوة على المناطق ، ما أربح فائدة نالوها وفرصة انتهزوها ، انتبه يزيد للفظة وشاور الفكرة ولا تكن إلى سمعك أسرع من معناها إلى عقلك ، واعلم أن الذي وطَّأك وسوسة الشيطان وزخرفة السلطان مما حسن عندك قبحه وأحلَو لي عندك مره ، أمر شركك فيه السواد ونافسكه الأعبد ، لا لأثرة تدعيها أو جَبَتْها لك الإمرة وأضعت بها من قدرك فامكنت بها من نفسك فكأنك شانئ نفسك فمن لهذا كله .ا اعلم يا يزيد إنك طريد الموت وأسير الحياة ، بلغني أنك اتخذت المصانع والمجالس للملاهي والمزامير كما قال تعالى ( أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ) . واجهرت الفاحشة حتى اتخذت سريرتك عندك جهراً .ا اعلم يا يزيد أن أول ما سلبكه الشكر معرفة مواطن الشكر لله على نعمه المتظاهرة وآلائه المتواترة ، وهي الجرحة العظمى والفجعة الكبرى ترك الصلوات المفروضات في أوقاتها ، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها ثم استحسان العيوب وركوب الذنوب وإظهار العورة وإباحة السر ، فلا تأمن نفسك على سر ولا تعقد على فعلك فما خير لذة تعقب الندم وتعفَّى الكرم وقد توقف أمير المؤمنين بين شطرين من أمرك لما يتوقعه من غلبة الآفة واستهلاك الشهوة ، فكن الحاكم على نفسك واجعل المحكوم عليه ذهنك ترشد إنشاء الله تعالى ، إلى أن قال فإذا كان يزيد قد اتخذ دينه لهواً ولعباً وغرته الحياة الدنيا فكيف يسد به ثغراً وينفذ به أمراً ويشرك في أمانة أو يؤمن على خيانة ، وكيف يلي أمور المسلمين غرِّير اتبع هواه وكان أمره فرطا .ا لقد قطع هذا الطاغية قيد الإسلام وعطل حدوده حتى أصابه الإخلال والانحلال وذلك من سوء سيرته وفساد سياسته ، ولا جرم أن في ترك الأمر بالمعروف إضرار بالنظام العام ، وفي ترك النهي عن المنكر تشجيع للسفهاء ، وفي ترك الصلاة رائد لارتكاب الفحشاء والمنكر والبغي ، وفي شرب الخمر إتلاف للعقل ، وفي الزنا ضياع للنسب ، وفي السرقة فقد للنزاهة والعفة وإخلال بالأمن وإيجاب للمخاوف .ا لهذا كله فإن البيعة ليزيد غير جائزة بظاهر الشريعة . وان قبول الحسين البيعة له فيه عقوق لمجد آبائه وأجداده ، فيه هدم لصرح الإسلام ، فيه ضياع لحقوقه المقدسة ، فيه خيانة للمسلمين وأعظم الخيانة خيانة الأمة . كما أن قبوله البيعة ليزيد فيه مشاركة له في الشرور والآثام ، فيه مؤاخذة وملامة وجزاء عند الله يوم القيامة . ولقد عقر ناقة ثمود رجل واحد ، فعم العذاب الجميع . قال عبد الله بن المبارك عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قوماً ركبوا سفينة فاقتسموا فأخذ كل واحد منهم موضعاً ، فنقر رجل منهم موضعه بفأس فقالوا ما تصنع ، فقال هو مكاني أصنع فيه ما شئت ، فلم يأخذوا على يديه فهلك وهلكوا .ا فالتارك لإنكار المنكر بيده ولسانه وقلبه هو ميت الأحياء . ولذلك فهو يرفض هذه البيعة صوناً للدين وعملاً بقول جده صلى الله عليه وسلم ( إنكر المنكر بيدك فإن لم تستطع فبلسانك فإن لم تستطع فبقلبك وذلك أضعف الإيمان ) .ا وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق . وأفضل من ذلك كله كلمة عدل عند إمام جائر .ا
الحسين
هو الإمام أبو عبد الله الحسين بن علي كرم الله وجهه ورضي عنه ، وابن فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه وسلم وبنت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها . ولد بالمدينة المنورة لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة ، فحنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بريقه وأذَّن له في أذنه وتفل في فمه ودعا له وسماه حسيناً وعتق عنه كبشاً وتصدق بزنة شعره فضة . قال صلى الله عليه وسلم ( أحب أهل بيتي إليَّ الحسن والحسين ) . وقال أيضاً ( من أراد أن ينظر إلى أحب أهل الأرض إلى أحب أهل السماء فلينظر إلى الحسين ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( حسين مني وأنا من حسين ) . وقال صلى الله عليه وسلم في الحسنين رضي الله عنهما ( هما ريحانتاي من الدنيا ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ) . وقال عليه السلام ( هذان ابناي فمن أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني اللهم إني أحبهما فأحبهما ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( ألا أخبركم بخير الناس جداً وجدة ألا أخبركم بخير الناس عمَّاً وعمَّة ألا أخبركم بخير الناس خالاً وخالة ألا أخبركم بخير الناس أباً وأماً الحسن والحسين ، جدهما رسول الله وجدتهما خديجة بنت خويلد وأمهما فاطمة بنت رسول الله وأبوهما علي بن أبي طالب وعمهما جعفر بن أبي طالب وخالهما القاسم بن رسول الله وخالاتهما زينب ورقية وأم كلثوم بنات رسول الله وجدهما في الجنة وأبوهما في الجنة وأمهما في الجنة وعمهما في الجنة وخالهما في الجنة وخالاتهما في الجنة وهما في الجنة ومن أحبهما في الجنة ) . وكان صلى الله عليه وسلم يجثو للحسنين رضي الله عنهما فيركبان على ظهره ويقول نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما . وحملهما صلى الله عليه وسلم على عاتقه فقال رجل نعم الفرس لكما . فقال صلى الله عليه وسلم ونعم الفرسان هما . وسمع صلى الله عليه وسلم بكاءهما وهو على المنبر فقام فزعاً ثم قال ( أيها الناس ما الولد إلا فتنة ، لقد قمت إليهما وما معي عقلي ) . وكان يخطب على المنبر فجاء الحسنان رضي الله عنهما ، وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران ، فنزل صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال : ( إنما أموالكم وأولادكم فتنة ) . وسمع صلى الله عليه وسلم الحسين يبكي فقال لأمه فاطمة ( ألم تعلمي أن بكاءه يؤذيني ) . وقال صلى الله عليه وسلم ( إن الله تعالى جعل ذرية كل نبي من صلبه خاصة ، وجعل ذريتي من صلب علي بن أبي طالب ) . وكانت الزهراء عليها السلام ترقص الحسن رضي الله عنه وتقول :ا أشبه أباك يا حسن واخلع عن الحق الرسن ............ واعبد إلهاً ذا منن ولا توالي ذا الإحن
وقالت للحسين رضي الله عنه :ا أنت شبيهاً بأبي لست شبيهاً بعلي وأجلس النبي صلى الله عليه وسلم الحسن على فخذه اليمنى والحسين على فخذه اليسرى وأجلس علياً وفاطمة عليهما السلام بين يديه ، ثم لف عليهما ثوبه ثم قرأ ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ) . ثم قال ( هؤلاء أهل بيتي حقاً ) . وقال صلى الله عليه وسلم لهم ( أنا سلم لمن سالمتم ، وحرب لمن حاربتم ) . وانصرف صلى الله عليه وسلم إلى منزل فاطمة رضي الله عنها فرآها قائمة خلف بابها ، فقال ما بال حبيبتي هاهنا . فقالت إبناكا خرجا غدوة وقد غبي عليَّ خبرهما . فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقفو آثارهما حتى صار إلى كهف جبل فوجدهما نائمين وحية مطوقة على رأسيهما ، فأخذ حجراً ليضربها . فقالت السلام عليك يا رسول الله ، ما نمت عند رأسيهما إلا حراسة لهما . فدعا لها بخير ثم حمل الحسن على كتفه اليمنى والحسين على كتفه اليسرى فنزل جبريل عليه السلام وحمله ، فكانا بعد ذلك يفتخران فيقول الحسن حملني خير أهل الأرض ، ويقول الحسين حملني خير أهل السماء . وعن بن عباس رضي الله عنهما قال لما نزل قوله تعالى ( قل لا أسألكم أجراً إلا المودة في القربى ) ، قالوا يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا محبتهم . قال صلى الله عليه وسلم علي وفاطمة وابناهما . وعن جعفر الصادق رضي الله عنه قال ، اصطرع الحسن والحسين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إيها حسن . فقالت فاطمة يا رسول الله تستنهض الكبير على الصغير . فقال صلى الله عليه وسلم هذا جبريل يقول ايها حسين خذ الحسن . وروي أنه كان بين الحسين وبين أخيه الحسن كلام ووقفة ، فقيل له اذهب إلى أخيك الحسن واسترضه وطيب خاطره فإنه أكبر منك . فقال الحسين سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أيما اثنين بينهما كلام فطلب أحدهما رضا الآخر كان السابق سابقة إلى الجنة ، وأكره أن أسبق أخي الأكبر إلى الجنة ، فبلغ قوله الحسن رضي الله عنه فأتاه وترضاه . وروت أم الفضل بن العباس رضي الله عنهم قالت ، دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله رأيت البارحة حلماً منكراً . قال وما هو . قالت رأيت كأن قطعة من جسدك قطعت فوضعت في حجري . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً رأيت ، تلد فاطمة غلاماً يكون في حجرك ، فولدت فاطمة الحسين ، قالت فكان في حجري كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدخلت به عليه فوضعته في حجره ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تدمعان ، فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما يبكيك . قال جاء جبريل عليه السلام فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا ، وأتاني بتربة من تربة حمراء . وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت ، كان جبريل عليه السلام عند النبي صلى الله عليه وسلم والحسين معي ، فغفلت عنه فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وجعله على فخذه ، فقال له جبريل عليه السلام أتحبه يا محمد . قال نعم . قال إن أمتك ستقتله وإن شئت لأريتك تربة الأرض التي يقتل بها ، ثم بسط جناحه إلى الأرض وأراه أرضاً يقال لها كربلاء ، تربة حمراء بالعراق . وعن الإصبع بن نباته قال ، أتينا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه في سفرة ، فمررنا بأرض كربلاء فقال علي ، ههنا مناخ ركابهم وموضع رحالهم ومهراق دمائهم ، فئة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون في هذه العرصة ، تبكي عليهم السماء والأرض .ا رحيل الحسين إلى الكوفة
لما بلغ أهل الكوفة موت معاوية وامتناع الحسين عن البيعة ليزيد اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فخطبهم سليمان قائلاً ، ( إن حسيناً قد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الفشل فلا تغروه ) . قالوا لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه . فكتبوا إليه ( بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي عليهما السلام ، من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وعبد الله بن وال وشيعته من المؤمنين والمسلمين سلام عليك ، أما بعد ، فالحمد لله الذي قصم عدوك وعدو أبيك من قبل الجبار العنيد الغشوم الظلوم الذي انتزى على هذه الأمة فابتزها أمرها وغصبها فيأها وتآمر عليها بغير رضا منها ، ثم قتل خيارها واستبقى شرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها ، فبعداً له كما بعدت ثمود ، وإنه ليس علينا إمام غيرك ، فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق ، والنعمان بن بشير في قصر الإمارة ولسنا نجتمع معه في جمعه ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو قد بلغنا أنك أقبلت أخرجناه حتى يلحق بالشام إنشاء الله تعالى ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته يا بن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبيك من قبلك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) . وأرسلوا الكتاب مع وفد من أشراف العراق ، ثم أرسلوا بعد ذلك قيس بن مهر الصيداوي وعبد الرحمن بن عبد الله بن شداد الأرحبي وعمارة بن عبد الله السلولي ومعهم نحو مائة وخمسين كتاباً من أهل العراق ، ثم أرسلوا هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي بالكتاب الآتي ( بسم الله الرحمن الرحيم ، للحسين بن علي عليهما السلام ، من شيعته من المؤمنين والمسلمين أما بعد ، فحيهلا ، فإن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك ، فالعَجَل العَجَل ثم العجل ،العجل والسلام ) . ثم أرسل شبث بن ربعي وحجار بن أبجد ويزيد بن الحارث ويزيد بن رويم وعروة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزبيدي ومحمد بن عمر التميمي ، الكتاب الآتي ( أما بعد ، فقد اخضرّ الجناب وأينعت الثمار ، فإذا شئت فأقبل على جند مجند والسلام عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك ) . وتواترت الكتب عليه حتى بلغت ما يقرب من الاثنى عشر ألف كتاب وفيها يستحثونه على القدوم عليهم وإنهم لم يبايعوا أحداً حتى الآن ، وهو يتأنى ولا يجيبهم لأنه لا يريد الخروج على الإمام حتى ينظر في أمره ، ولعل الله يوفقه إلى الصواب . وظل الحسين رضي الله عنه يرقب يزيد وهو بمكة حوالي أربعة شهور لعله ينتهي عن غيه . وكانت ترد إليه كتب شيعته فلا يجيبهم بكلمة لأنه كان لا يرى الخروج حتى يتأكد من فساد الإمام وعدم صلاحه ، ولما يئس من انصلاح يزيد أوفد إلى الشيعة بن عمه مسلم بن عقيل رضي الله عنه ليكشف له حقيقة أمرهم ، وعزم على الخروج على يزيد لأنه لا تتوفر فيه شروط الإمامة وفي الناس من تتوفر فيه شروطها . ولو كان الحسين رضي الله عنه يريد الخلافة لنفسه لخرج على معاوية لأن الشيعة كانوا يرسلون إليه الكتب تدعوه فيها إلى الثورة على معاوية والقدوم إليهم يؤيدونه ويدافعون عنه ويقاتلون في سبيله . وكانت الرسل تمشي إليه في عهد معاوية تدعوه على الخروج على معاوية ، فكان جوابه رضي الله عنه واحداً ، ينصح فيه شيعته بضرورة التريث والانتظار . ولو كان يريد الخلافة لخرج على يزيد في أول عهده أو عندما علم رأي شيعته بالكوفة من أول عهده ، ولكنه انتظر حتى تأكد أن يزيد لا يصلح للخلافة مطلقاً . فكتب إلى شيعته ، بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين المسلمين أما بعد ، فإن هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام ، فاقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق والهدي ، وأنا باعث أخي وبن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، فإنه إن كتب إليَّ أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأت في كتبكم فإني أقدم إليكم وشيكاً إن شاء الله تعالى ، فلعمري ما لإمام إلا الحكم بالكتاب القائم بالقسط الدائن بدين الحق الحابس نفسه على ذلك لله والسلام . وأرسل الكتاب مع بن عمه مسلم بن عقيل رضي الله عنه ، فسار مسلم إلى الكوفة ، فلما دخلها أقبلت الشيعة إليه يبايعونه نيابة عن الحسين ويحلفون له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم ، فبايعه ثمانية عشر ألفاً . فكتب مسلم إلى الحسين مع عباس بن حبيب الشاكري وقيس بن مسهر الصيداوي ، أما بعد ، فإن الرائد لا يكذب أهله ، وإن جميع أهل الكوفة معك ، وقد بايعني منهم ثمانية عشر ألفاً ، فعجّل الإقبال حين تقرأ كتابي هذا ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . فطار هذا النبأ إلى أهل مكة ، وعلم به كل من بها . فذهب إليه عبد الله بن الزبير وكان يرى أن الناس لا يبايعونه مهما عظم شأنه واشتهر أمره ما دام الحسين باقياً بالحجاز ، فهو الذي يشار إليه بأطراف البنان ، وهو بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى بقاءه بالحجاز أثقل عليه من المنتظر ، فيقول للحسين ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم ، أخبرني ما تريد أن تصنع . فيقول الحسين والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة ، ولقد كتب إليَّ شيعتي فيها وأشرافها بالقدوم عليهم واستخير الله . فقال بن الزبير أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها . ثم خرج من عنده . فقال الحسين قد علم بن الزبير أنه ليس له من الأمر معي شئ ، وأن الناس لم يعدلوا بي غيري ، فود أني خرجت لتخلو له . وتسامع أخصاء الحسين بمبايعة أهل الكوفة له وعزمه على الخروج إليهم فيسرون إليه النصيحة ، وجاءه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال ، يا بن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق ، فبين لي ما أنت صانع . فقال الحسين إني قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إنشاء الله . فقال بن عباس أخبرني إن كانوا قد دعوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم ، وإن كان أميرهم حياً وهو مقيم عليهم قاهر لهم وعماله تجبي بلادهم فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال ولا آمن عليك أن يستغزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك ، فيكون الذي دعوك أشد الناس عليك . فقال الحسين إني أستخير الله وانظر ما يكون . فقال بن عباس إني أتصبر ولا أصبر ، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك ، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم ، أقم في هذا البلد حتى يتقي أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم وإلا فسر إلى اليمن فإن به حصوناً وشعاباً ولأبيك به شيعة ، وكن عن الناس في معزل واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم فإني أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب . فقال الحسين يا بن عم والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق ، ولكني قد أزمعت المسير . وجاء الحسين بن سعيد الخدري فقال ، يا أبا عبد الله إني لكم ناصح وإني عليكم مشفق ، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم فلا تخرج إليهم ، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة ، والله لقد مللتهم وأبغضتهم وملوني وأبغضوني ، وما يكون منهم وفاء قط ، ومن فاز بهم فقد فاز بالسهم إلا حتيب ، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر ولا صبر على السيف . وجاء الحسين أبو بكر بن عبد الرحمن فقال ، يا بن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا ، فيقاتلك من وعدك أن ينصرك ، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره ، فأذكرك الله في نفسك . فقال الحسين جزاك الله يا بن عم خيراً ، مهما يقض الله من أمر يكن . فقال أبو بكر بن عبد الرحمن إنا لله وإنا إليه راجعون ، نحتسب أبا عبد الله عند الله . وممن نصح الحسين عبد الله بن مطيع فقال ، إني فداؤك وأبي وأمي فأمتضا بنفسك ولا تسر إلى العراق ، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيداً وخولاً . وقال بن عباس والله إني لأظنك ستقتل غداً بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته ، والله إني لأخاف أن تكون أنت الذي يقاد به عثمان ، فإنا لله وأن إليه راجعون . فقال الحسين لإن أقتل بمكان كذا ، كذا أحب إليَّ من أن أقتل بمكة وتستحل بي . وجاء الحسين عمر بن الحرث بن هشام المخزومي فقال ، إني جئتك لحاجة أريد ذكرها نصيحة لك ، فإن كنت ترى أني ناصح قلتها لك وأويت ما يجب عليَّ من الحق فيها ، وإن ظننت أني غير ناصح كففت عما أريد أن أقوله لك . فقال الحسين قل . فقال له قد بلغني أنك تريد العراق ، وإني مشفق عليك أن تأتي بلداً فيها عمال يزيد وأمراؤه ومعهم بيوت الأموال ، وإنما الناس عبيد الدرهم والدنيا ، فلا آمن عليك أن يقاتلك من وعدك نصرة ومن أنت أحب إليه ممن يقاتلك معه له وذلك عند الذل وطمع الدنيا . فقال له الحسين رضي الله عنه جزاك الله خيراً من ناصح ، لقد مشيت يا بن عم بنصح وتكلمت بعقل ولم تنطق عن الهوى ، ولكن مهما يقضي من أمر يكن أخذت برأيك أم تركت مع إنك عندي أحمد مشير وأعز ناصح . ثم جاء بن الزبير وكان يخشى أن يتهمه الحسين فقال ، إني رأيت أن تقيم هنا بالحجاز وتريد هذا الأمر قمنا معك وبايعناك وساعدناك ونصحنا لك . فقال له الحسين رضي الله عنهما إن أبي حدثني أن بها كبشاً به تستحل حرمتها فما أحب أن أكون ذلك الكبش ، والله لإن أقتل خارجاً من مكة بشبر أحب إليَّ من أن أقتل بداخلها . ولما كان الغد جاءه بن عباس ونصحه أيضاً بعدم المسير إلى الكوفة . فلم يقبل الحسين منه . فقال بن عباس فإن كنت سائراً ولابد فلا تسر بنسائك وصبيتك . قال ولا أتركهم خلفي . فقال له بن عباس رضي الله عنه والله لو أعلم أني إنْ أخذت بناصيتك وأخذت بناصيتي حتى تجتمع الناس علينا أطعتني وأقمت لفعلت . ثم خرج عنه بن عباس رضي الله عنهما وهو يقول لقد أقررت عين بن الزبير بمخرجك من الحجاز ، وعند خروج بن عباس صادفه بن الزبير فقال ما وراءك يا بن عم . قال ما يقر عينك ، هذا الحسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز . ثم ولى عنه وهو ينشد :ا يا لك من قنبرة بمعمــر .......... خلا لك الجو فبيضي واصغري
ونقري ما شئت أن تنقري .......... صيادك اليوم قتيل فابشـري
لا بد من أخذك يوماً فاصبري
وبلغ خبر بيعة أهل العراق للحسين إلى يزيد بن معاوية فأرسل يزيد عمر بن سعيد بن العاص إلى مكة في عسكر عظيم وولاه إمارة الحاج ، وأوصاه سراً بقبض الحسين وإن لم يتمكن منه يقتله غيلة . ودس مع الحجاج ثلاثين رجلاً من شياطين بني أمية وأمرهم بقتله على أي حال اتفق ، وعلم بذلك الحسين فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وقصر من شعره وأحل من إحرام الحج وجعلها عمرة مغروة ، فكان الناس يخرجون إلى منى والحسين خارج إلى العراق وكان الحسين يقول والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي ، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فرام المرأة ، وايم الله لو كنت في جحر هامة لاستخرجوني حتى يقضوا بي حاجتهم ، والله ليعتدن عليَّ كما اعتدت اليهود في السبت . وجاءه كتاب من عبد الله بن جعفر مع ابنيه عون ومحمد وفيه ، أما بعد فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تقرأ كتابي هذا فإني مشفق عليك من هذا الوجه أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم طفئ نور الأرض ، فإنك علم المهتدين ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالمسير فإني في أثر كتابي والسلام . فلم يفعل وكان مما اعتذر به أن قال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامي وقد أمرني بأمر لا أقدر على خلافه . فقيل له ما تلك الرؤيا . قال ما حدثت بها أحداً وما أنا محدث بها أحداً حتى القي ربي . وقبل أن يتأهب للمسير خطب في الناس قائلاً ، الحمد لله وما شاء الله ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على رسوله خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخير لي مصرع أنا لاقيه كأني أرى بأوصالي تقطعها علان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشاً جوفاء وأجربة سقيا لا محيص عن يوم خط بالقلم رضي الله رضانا أهل البيت ، فصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين لن تشذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمته بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينه وينجز بهم وعده ، من كان باذلاً فينا مهجته وموطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا ، فإنني راحل مصبحاً إنشاء الله تعالى . فنراه رضي الله عنه يفضل الموت على أن يضع يده في يد إمام فاسق كيزيد وهو يعلم أنه مقتول لا محالة وقد صرح بذلك وعلم به . وقد تمثل بهذين البيتين عند خروجه من المدينة :ا لا ذعرت السوام في فلق الصبح ........... مغيراً ولا دعيت يزيـــدا
يوم أعطى من المهانة ضيحــاً ......... والمنايا ترصدنني أن أحيدا
ولكنه رضي الله عنه أراد أن يغير المنكر بيده كما قال جده الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكراً فعليه أن يغيره بيده ) . فخرج رضي الله عنه قاصداً الكوفة ومعه اثنان وثمانون رجلاً من أهل بيته ومواليه وشيعته ، ولقيه بالطريق الفرزدق الشاعر فنزل وسلم على الحسين وقال أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب . فقال له الحسين بيّنْ لي خبر الناس خلفك . فقال له قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء . فقال الحسين صدقت ، لله الأمر من قبل ومن بعد يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته ، ثم حرك ناقته وقال السلام عليك . ثم سار فلقيه بشر بن غالب عائداً من العراق فسأله عن أهلها فقال ، خلفت القلوب معك والسيوف مع بني أمية . فقال صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد . ولقيه عبد الله بن مطيع فقال له ، بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله ما أقدمك . فأخبره الحسين . فقال له عبد الله أذكرك الله يا بن رسول الله وحرمة الإسلام أن تنتهك أنشدك الله في حرمة قريش ، أنشدك الله في حرمة العرب ، فوالله لئن طلبت ما في أيدي بني أمية ليقتلنك ، ولئن قتلوك لا يهابون بعدك أحداً أبداً ، والله إنها لحرمة الإسلام تنتهك ، وحرمة قريش وحرمة العرب ، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك لبني أمية . فأبى إلا أن يمضي . ورأى الحسين في الطريق فسطاطاً مضروباً فسأل عنه فقيل له هو لزهير بن القين وكان عثمانياً ، فاستدعاه الحسين فشق على زهير ذلك ، ثم أجابه على كره ثم عاد إلى أصحابه مشرق الوجه ظاهر البشر فقال لهم ، من أحب أن يتبعني وإلا فإنه آخر العهد وسأحدثكم حديثاً ( غزونا بلنجد ففتح علينا وأصبنا غنائم ففرحنا وكان معنا سلمان الفارسي رضي الله عنه فقال لنا ، إذا أدركتم سيد شباب محمد صلى الله عليه وسلم فكونوا أشد فرحاً بقتالكم معه أكثر من فرحكم بهذه الغنائم ، فأما أنا فاستودعكم الله ثم طلق زوجته وقال لها الحقي بأهلك فإني لا أحب أن يصيبك بسببي شر ، ولزم الحسين . ولما بلغ الحسين الحاجز أرسل كتاباً مع عبد الله بن بقطر أخيه من الرضاعة ليطمئن على بن عمه مسلم بن عقيل ، ثم سار من الحاجز إلى الثعلبية فقال فيها قائلة الظهيرة ، ثم انتبه من نومه فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ، وقال لابنه علي إني خفقت خفقة ، فعنَّ لي فارس على فرس فقال ( القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم ) ، فعلمت أنها أنفسنا مضيت إلينا . فقال له يا أبت أفلسنا على الحق . فقال الحسين بلى يا بني والذي إليه مرجع العباد . فقال يا أبت إذن لا نبالي بالموت . فقال جزاك الله يا بني خير ما جزى ولداً عن والده ، ثم بات في ذلك المكان . ولما أصبح سار فلقي في طريقه إعرابيان من بني أسد فسألهما عن الخبر . فقالا له يا بن رسول الله قلوب الناس معك وسيوفهم عليك ، فارجع فإنا لم نخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة . فقال الحسين إنا لله وإنا إليه راجعون رحمة الله عليهما ، وترقرقت عيناه بالدموع ، ودخل على ابنة مسلم وعمرها إحدى عشرة سنة فمسح على ناصيتها وعززها وقربها من منزله . فقالت يا عم ما رأيتك قبل هذا اليوم تفعل بي مثل ذلك ، أظن أنه قد استشهد والدي . فلم يتمالك الحسين نفسه من البكاء وقال يا ابنتي أنا أبوك وبناتي أخواتك ، فأجهشوا جميعاً بالبكاء . فقال له بعض أصحابه ننشدك الله إلا رجعت من مكانك فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة ، بل نتخوف عليك أن يكونوا عليك . فوثب بني عقيل وقالوا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق كما ذاق مسلم . فقال الحسين لا خير في العيش بعد هؤلاء . وساروا وكانوا لا يمرون على قوم إلا اتبعوه ومازال سائراً حتى نعي إليه أخوه عبد الله بن بقطر فأواه الأباء والشمم إلى أن يخير من اتبعه من الأعراب في طريقه بين البقاء معه أو التخلف ، فخطب فيهم قائلاً ، بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإنه قد أتاني خبر فظيع ، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن بقطر وقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ، ليس عليه ذمام . فتـفرق الناس عنه يميناً وشمالاً حتى بقى في أهل بيته ومواليه وشيعته الذي خرج بهم من مكة ومعهم زهير بن القين الذي انضم له في الطريق ، ممن يريد مواساته والموت معه وإنما فعل ذلك لأنه علم أن الأعراب ظنوا أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعة أهله ولم يعلموا على ما سيقدمون عليه . ثم سار حتى لقيه رجل فقال له أنشدك الله لما انصرفت فوالله ما تقدم إلا على أسنة الرماح وحد السيوف ، إن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطئوا لك الأشياء فقدمت عليهم لكان ذلك رأياً ، فأما على هذه الحال التي تذكرها فلا أرى لك أن تفعل . فقال إنه لا يخفى عليَّ ما ذكرت ولكن الله عز وجل لا يغلب على أمره . ثم ارتحل . ا قتل عبيد الله بن زياد ومسلم بن عقيل
قدم عبيد الله بن زياد ( بن أبيه ) على معاوية بعد موت أبيه زياد وطلب منه الولاية . فقال له معاوية من استعمل أبوك على الكوفة والبصرة . فأخبره . فقال معاوية لو استعملك أبوك لاستعملتك . فقال عبيد الله أنشدك الله أن يقولها أحد بعدك ، لو استعملك أبوك وعمك لاستعملتك فولاه خراسان ثم ولاه البصرة لما ظهر منه من قوة البأس ولم يزل بها حتى مات معاوية وتولى يزيد فتركه عليها حتى جاء مسلم بن عقيل الكوفة فنزل في دار المختار بن عبيد ، فكانت الشيعة تحتلف إليه فيقرأ عليهم كتاب الحسين فيبكون ويعدونه من أنفسهم القتال والنصرة وبايعه من الناس ثمانية عشر ألفاً . فبلغ ذلك أمير الكوفة النعمان بن بشير فصعد المنبر وقال ، أما بعد فلا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة فإن فيهما تهلك الرجال وتسفك الدماء وتغصب الأموال وكان حليماً ناسكاً يحب العافية ، ثم قال إني لا أقاتل من لم يقاتلني ولا أثب على من لا يثب عليَّ ولا أنبه نائمكم ولا أتحرش بكم ولا آخذ بالتهمة ولا الظنة ، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم ونكثتم بيعتكم وخالفتم إمامكم فوالله الذي لا إله غيره لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، ولم يكن لي منكم ناصر ولا معين ، إما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل . فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمي حليف بني أمية فقال ، إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم ، إن الذي أنت عليه رأي المستضعفين . فقال لأن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إليَّ من أن أكون من الأعزين في معصية الله ، ونزل . فكتب عبد الله بن مسلم إلي يزيد يخبره بقدوم مسلم بن عقيل الكوفة ومبايعة الناس له ، ويقول له إن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلاً قوياً ينفذ أمرك ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف . ثم كتب إليه عمارة بن الوليد بن عقبة وعمرو بن سعد بن أبي وقاص بمثل ذلك . فدعا يزيد سرجون مولى معاوية وأخبره الخبر واستشاره فيمن يوليه الكوفة. فقال له سرجون أرأيت لو نشر معاوية كنت تأخذ برأيه . قال نعم . فأخرج سرجون عهد من معاوية بتولية عبيد الله الكوفة كتبه قبل موته ولم ينفذ . فأخذ يزيد برأيه وجمع الكوفة والبصرة لعبيد الله ، وكتب إليه بعهده فقال ، أما بعد فإنه كَتَبَ إليَّ شيعتي من أهل الكوفة يخبرونني أن بن عقيل بالكوفة يجمع الجموع لشق عصا المسلمين ، فسر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي أهل الكوفة فتطلب بن عقيل كطلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام. فارتحل بن زياد إلى الكوفة ، ولما قرب منها تنكر في زي الحسين ودخلها ليلاً من جهة البادية في زي أهل الحجاز ليرى ما الناس عليه ، فصار كلما اجتاز بجماعة قاموا له وهم يظنون أنه الحسين ويقولون مرحباً يا بن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت خير مقدم ، وهو لا يكلمهم ، ولما رأى سرورهم بالحسين ساءه ذلك وقصد قصر الإمارة . وكان النعمان بن بشير قد أغلق الباب لما بلغه بمقدم الحسين . فانتهى إليه عبيد الله بن زياد فطرق الباب . فقال له النعمان وهو يظن أنه الحسين ، أنشدك الله ألا تنحيت عني ، فوالله ما أنا بمسلم إليك أمانتي ومالي في قتالك من حاجة . فدنا منه عبيد الله وقال ، افتحوا لا بارك الله فيكم ولا كثر من أمثالكم . فعرفوا صوته وقالوا إنه بن مرجانة ، وفتحوا له ودخل وبات فيه . ولما أصبح اجتمع الناس للصلاة فصعد المنبر وقال ، أما بعد ، فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم وفيئكم وأمرني بأنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم ، وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم وبالشدة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا متبع فيكم أمره ومنفذ فيكم عهده ، فأنا لمحسنكم كالوالد البر ، ولمطيعكم كالأخ الشقيق ، وسيفي وسوطي على من ترك أمري وخالف عهدي ، فليبق امرؤ على نفسه ، ثم نزل وأخذ العرفاء والناس أخذاً شديداً ، وقال اكتبوا إلىَّ الغرباء ومن فيكم من طلبة أمير المؤمنين ، فمن كتبهم إليَّ فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحداً فليضمن لنا ما في عرافته أن لا يخالفنا فيهم مخالف ، ولا يبغ علينا منهم باغ ، فمن لم يفعل فبرئت منه الذمة وحلال لنا دمه وماله ، وأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صلب على باب داره . وسمع مسلم بن عقيل بمقالة عبيد الله بن زياد فخرج من دار المختار وأتى دار هانئ بن عروة المرادي ، فدخل بابه ونادى هانئاً . فخرج إليه ، فلما رآه كره وجوده ببابه . فقال له مسلم أتيتك لتجيرني وتضيفني . فقال له هانئ لقد كلفتني شططا ، ولولا دخولك داري لأحببت أن تنصرف عني ، غير أنه يأخذني من ذلك زمام ، ادخل . فدخل مسلم فآواه فاختلفت الشيعة إليه في دار هانئ . ودعا بن زياد مولى له وأعطاه ثلاثة آلاف درهم وقال له اطلب مسلم بن عقيل وأصحابه وألفهم وأعطهم هذا المال وأوهمهم أنك منهم وتجسس أخبارهم . ففعل ذلك وأتى المسجد وكان به مسلم بن عوسجة الأسدي يصلي ، فسمع الناس يقولون هذا يبايع للحسين ، فلما فرغ من صلاته تقدم إليه وقال يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام أنعم الله عليَّ بحب أهل هذا البيت ، وهذه ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سمعت نفراً يقولون أنك تعلم أمر هذا البيت ، وإني أتيتك لتقبض المال وتدخلني على صاحبك أبايعه ، وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه . فقال مسلم بن عوسجة لقد سرني لقاؤك لتنال الذي تحب ، وينصر الله بك أهل بيت نبيه . وقد ساء في معرفة الناس هذا الأمر حتى قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية وسطوته ، فأخذ بيعته والمواثيق المعظمة ليناصحن وليكتمن ، واختلف إليه أياماً ليدخله على مسلم بن عقيل . ومرض شريك بن الأعور وكان قد نزل في بيت هانئ مع مسلم بن عقيل وكان شديد التشيع لأهل البيت ، فبلغ مرضه عبيد الله بن زياد وكان يكرمه ، فأرسل إليه عبيد الله أني عائدك العشية . فقال شريك لمسلم بن عقيل إن هذا الفاجر عائدي العشية ، فإذا جلس اخرج إليه واقتله ، ثم اذهب إلى قصر الإمارة ليس أحد يحول بينك وبينه . فسمع بذلك هانئ صاحب المنزل فقال ، ما أحب أن يقتل في داري . فلما كان من العشى أتاه بن زياد فقام مسلم بن عقيل ليتوارى عن بن زياد ، فقال له شريك لا يفوتنك إذا جلس . وجاء بن زياد فجلس وسأل شريكاً عن مرضه . فأجاب وأطال ، ومسلماً لا يخرج ليقتل بن زياد ، فخشي أن يفوته ، فأخذ يقول :ا ما تنظرون بسلمى لا تحيوها ............... اسقونيها وإن كانت بها نفس
قال ذلك ثلاثاً . فقال عبيد الله ما شأنه ، ترونه يخلط . فقال له هانئ نعم ما زال هذا دأبه قبيل الصبح حتى ساعته هذه ، فانصرف . فلما ذهب بن زياد وخرج مسلم بن عقيل فقال له شريك ما منعك من قتله . قال خصلتان ، أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في منزله ، وأما الأخرى فحديث حدثه علي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أن الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن بمؤمن ) . فقال له هانئ لو قتلته لقتلت فاسقاً فاجراً كافراً غادراً . ومات شريك بعد ذلك بثلاثة أيام . ثم إن مولى بن زياد الذي دسه بالمال ذهب إلى مسلم بن عوسجة بعد موت شريك فأدخله على مسلم بن عقيل فأخذ بيعته وقبض ماله وأخذ يختلف إليهم ويعلم أسرارهم وينقلها إلى بن زياد . وكان هانئ قد انقطع عن بن زياد بعذر المرض . فدعا بن زياد عبيد الله محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي فسألهم عن هانئ وانقطاعه . فقالوا أنه مريض . فقال بلغني أنه يجلس على باب داره وقد برئ ، فاذهبوا إليه ومروه أن لا يدع ما عليه من مجيئنا . فأتوه فقالوا له إن الأمير قد سأل عنك ، وقال لو أعلم أنه شاك لعدته ، وقد بلغه أنك تجلس أمام دارك وقد استبطأك ، أقسمنا عليك لو ركبت معنا . فلبس ثيابه وركب معهم . فلما دنا من القصر أحست نفسه بالشر ، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة يا بن أخي إني لهذا الرجل لخائف ، فما ترى . فقال ما أتخوف عليك شيئاً . ودخل القوم على بن زياد وهانئ معهم ، فلما رآه قال لشريح القاضي أتتك بحائن رجلاه . فلما دنا منه قال عبيد الله :ا أريد حياته ويريد قتلي ......... عذيرك من خليلك من مراد
وكان بن زياد مكرماً له . فقال هانئ وما ذاك . فقال يا هانئ ما هذه الأمور التي تربص في دارك لأمير المؤمنين والمسلمين ، جئت بمسلم فأدخلته دارك وجمعت له السلاح والرجال وظننت أن ذلك يخفى علينا . قال ما فعلت هذا . قال بلى . وطال بينهما النزاع ، فدعا بن زياد مولاه الذي دسه عليهم ، فجاء حتى وقف بين يديه فقال بن زياد لهانئ ، أتعرف هذا . قال نعم وعلم هانئ عند ذلك أنه كان جاسوساً عليهم ، فسقط في يده ساعة ثم راجعته نفسه ، قال اسمع مني وصدقني ، فوالله لا أكذبك ، والله ما دعوته ولا علمت بشيء من أمره حتى رأيته جالساً على بابي يسألني النزول عليَّ ، فاستحييت من رده ولزمني من ذلك زمام فأدخلته داري وضفته ، وقد كان من أمره الذي بلغك ، فإن شئت أعطيتك الآن موثقاً تطمئن به ورهينة تكون في يدك حتى انطلق وأخرجه من داري وأعود إليك . فقال لا والله لا تفارقني أبداً حتى تأتيني به . قال لا آتيك بضيفي تقتله أبداً . فضربه عبيد الله بقضيب على وجهه ولم يزل يضربه حتى كسر أنفه وتناثر لحم خديه على لحيته حتى كسر القضيب . وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وانتزعه فمنع منه . فقال عبيد الله الآن حل لنا قتلك ، ثم أمر به فحبس . فقال أسماء بن خارجة لعبيد الله أرسله يا غادر ، أمرتنا أن نجيئك بالرجل ، فلما أتيناك به هشمت وجهه وسيلت دماءه وزعمت أنك تقتله . فأمر به عبيد الله فحبس . وأما بن الأشعث قال ، رضينا بما رأى الأمير لنا كان أو علينا . وسمع مسلم بن عقيل الخبر فركب ونادى يا منصور أمت . فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة ، فسار بهم إلى قصر بن زياد وعلم بهم بن زياد فأمر بإغلاق أبواب القصر . وأحاط مسلم بالقصر وضاق بعبيد الله أمره وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلاً ، والناس يسبون بن زياد وأباه . فأمر عبيد الله من عنده من الأشراف أن يطلوا عليهم من شرفات القصر فيمنوا أهل الطاعة الزيادة والكرامة ، ويعدوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة ، فقالوا لقومهم الذين مع مسلم الحقوا بأهليكم ولا تعجلوا الشر ولا تعرضوا أنفسكم للقتل ، فإن جنود أمير المؤمنين قد أقبلت وقد أعطى الله الأمير عهداً لئن أقمتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم أن يحرم ذريتكم العطاء ويفرق مقاتليكم في مغازي الشام . فلما سمعوا مقالتهم أخذوا يتفرقون . ثم ركب هؤلاء الأشراف وساروا في الكوفة يخذلون الناس عن مسلم ، فانفرط عقد جمعهم حتى بقي وحده . ونظر مسلم حوله فلم يجد أحداً ممن بايعه ولا من يدله على الطريق ولا مكاناً يأوي إليه ، فسار على غير هدى في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب ، فانتهى إلى باب امرأة من كنده يقال لها ظوعة ، وكانت لها ولد اسمه بلال ، فسلم عليها بن عقيل وطلب الماء فسقته وجلس ، فقالت له يا عبد الله ألم تشرب . قال بلى . قالت فاذهب إلى أهلك . فسكت . فقالت له ذلك ثلاثاً . فلم يبرح . فقالت سبحان الله إني لا أحل لك الجلوس على بابي . فقال لها ليس لي في هذا المصر منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر ومعروف ولعلي أكافئك به بعد اليوم . قالت وما ذاك . قال أنا مسلم بن عقيل ، كذبني هؤلاء القوم وغروني . قالت أدخل ، فأدخلته بيتاً في دارها وعرضت عليه العشاء فلم يتعش . وجاء ابنها فرآها تكثر الدخول في ذلك البيت ، فقال لها إن لك لشأناً في ذلك البيت وسألها . فلم تخبره . فألح عليها فأخبرته واستكتمته وأخذت عليه الإيمان بذلك . فسكت . ولما انصرف الناس من حصار قصر بن زياد نزل إلى المسجد وأمر فنودي ، برئت الذمة من رجل من الشرط والعرفاء والمناكب والمقاتلة ، صلى العتمة إلا في المسجد فامتلأ المسجد فصلى بالناس ثم قام فحمد الله ثم قال ، أما بعد فإن بن عقيل السفيه الجاهل قد أتى ما رأيتم من الخلاف والشقاق فبرئت الذمة من رجل وجدناه في داره ، ومن أتانا به فله ديته ، وأمرهم بالطاعة ولزومها ، وأمر أن تمسك أبواب الطرق ثم تفتش الدور . ولما أصبح بلال بن تلك العجوز التي آوت مسلم بن عقيل أتى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان بن عقيل فأتى عبد الرحمن أباه وهو عند بن زياد ، فأسره بذلك فأخبر به بن زياد فقال له ، قم وأتني به الساعة . وبعث معه عمرو بن عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين ، فأتوا الدار التي فيها بن عقيل ، فلما سمع الأصوات علم أنه قد أتى ، فخرج إليهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ، ثم عادوا إليه فحمل عليهم فأخرجهم وفعل ذلك مراراً . وضرب بكير بن حمدان الأحمدي فم مسلم فقطع شفته العليا وسقط ثنيتاه ، وضربه مسلم على رأسه وثني بأخرى على حبل العاتق كادت تقتله . فلما رأوا ذلك منه أشرفوا على سطح البيت وجعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في القصب ويلقونها عليه ، فلما رأى ذلك خرج عليهم بسيفه فقاتلهم في الشارع . فقال له محمد بن الأشعث لك الأمان فلا تقتل نفسك . فأقبل يقاتلهم وهو يقول :ا أقسمت لا أقتل إلا حــراً ......... وإن رأيت الموت شيئاً نكرا
كل امرئ يوماً ملاق شراً ......... أخاف أن أكذب أو أغــرا
فقال له محمد إنك لا تكذب ولا تخدع ، إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك ولا ضاربيك ، وكان قد أثخن بالحجارة وعجز عن القتال ، فأسند ظهره إلى حائط الدار فأمنه بن الأشعث والناس إلا عمرو بن أبي عبيد الله السلمي ، وأتى ببغله فحمل عليها وانتزعوا سيفه ، فدمعت عيناه ثم قال هذا أول الغدر . قال محمد أرجو أن لا يكون عليك بأس . قال وما هو إلا الرجاء ، أين أمانكم ثم بكى . فقال له عمرو بن عبيد الله السلمي ، من يطلب مثل الذي تطلب إذا نزل به مثل الذي نزل بك لم يبك . فقال مسلم ما على نفسي أبكي ، وإنما أبكي لأهلي المقبلين نحوكم ، أبكي للحسين وآل الحسين ، ثم قال لابن الأشعث إني أراك ستعجز عن أماني ، فهل تستطيع أن تبعث من عندك رجلاً يخبر الحسين بحالي ويقول له عني ليرجع بأهل بيته ولا يغره أهل الكوفة ، فإنهم أصحاب أبيك الذين كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل . فقال له بن الأشعث والله لأفعلن . ثم كتب بما قال مسلم إلى الحسين . ثم قدم محمد إلى القصر ومعه مسلم فدخلا على عبيد الله فأخبره محمد بالخبر وبأمانه لمسلم . فقال له عبيد الله ما أنت والأمان ، ما أرسلناك لتؤمنه إنما أرسلناك لتأتينا به . فسكت محمد . ولما جلس مسلم على باب القصر رأى جرة فيها ماء بارد ، فقال اسقوني من هذا الماء . فقال مسلم بن عمرو الباهلي أتراها ، ما أبردها ، والله لا تذوق منها قطرة حتى تذوق الحميم في نار جهنم . فقال له بن عقيل من أنت . قال أنا من عرف الحق إذ تركته أنت ونصح الأمة والإمام إذ غششته أنت ، وأطاع إذ عصيته أنت ، أنا مسلم بن عمرو الباهلي . فقال له بن عقيل لأمك الثكل ما أجفاك وأفظعك وأقسى قلبك واغلظك ، أنت يا بن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني . وأدخل مسلم بن عقيل على بن زياد فلم يسلم عليه بالإمارة فقال له الحرس ، ألا تسلم على الأمير . فقال إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه ، وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن تسليمي عليه . فقال له بن زياد لعمري ، لتقتلن . فقال كذلك . قال نعم . قال فدعني أوصي إلى بعض قومي . قال افعل . فقال لعمر بن سعد بن أبي وقاص إن بيني وبينك قرابة ولي إليك حاجة وهي سر ، فقام معه ، فقال إن عليَّ بالكوفة ديناً استدنته فاقضه عني ، وانظر جثتي فاستوهبها فوارها ، وابعث إلى الحسين من يردّه . ثم قال بن زياد لمسلم ، يا بن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتت بينهم وتفرق كلمتهم . فقال كلا ولكن أهل هذا المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعوا إلى حكم الكتاب والسنة فقال وما أنت وذاك يا فاسق ألم يكن يعمل بذلك فيهم ، إذ أنت تشرب الخمر بالمدينة . قال أنا أشرب الخمر ، والله إن الله يعلم أنك تعلم أنك غير صادق ، وأني لست كما ذكرت ، وأن أحق الناس بشرب الخمر مني من يلغ في دماء المسلمين ، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها على الغضب والعداوة ، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئاً . فقال له بن زياد قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام . قال أما أنك أحق من أحدث في الإسلام ما ليس فيه ، أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة ، ولا أحد من الناس أحق بها منك . فشتمه بن زياد وشتم الحسين وعلياً وعقيلاً . فلم يكلمه مسلم . ثم أمر به فأصعد فوق القصر لتضرب رقبته ويتبعوا رأسه جسده من أعلى القصر . فقال مسلم لابن الأشعث والله لولا أمانك ما استسلمت ، قم بسيفك دوني قد أخفرت ذمتك ، فاصعد مسلم فوق القصر وهو يستغفر ويسبح ، فضربت عنقه ثم اتبع رأسه جسده . وكان الذي قتله بكير بن حمران الذي ضربه مسلم ، فلما نزل قال له بن زياد وما كان يقول وأنتم تصعدون به . قال كان يسبح ويستغفر ، فلما قتلته قلت له الحمد الله الذي أمكن منك وأقادني منك ، فضربته ضربة لم تغن شيئاً . فقال أما ترى في خدش تخدشنيه وفاء من دمك أيها العبد . فقال بن زياد وفخرا عند الموت . قال ثم ضربته الثانية فقتلته . وأمر بن زياد بقتل هانئ فقتل . فقال الفرزدق :ا
فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري .......... إلى هانئ في السوق وبن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهـــه ................ وآخر يهوى من طمار قتيــل
وبعث بن زياد برأسيهما إلى يزيد . فكتب إليه يزيد يشكره ويقول له ، وقد بلغني أن الحسين قد توجه نحو العراق ، فضع المراصد والمسالح واحترس ، واحبس على التهمة وخذ على الظنة ، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك .ا
قتال الحسين واستشهاده
سار الحسين بمن معه من أهل بيته رضي الله عنهم جميعاً قاصداً الكوفة ، حتى جاءه رسول محمد بن الأشعث عن لسان مسلم بن عقيل ، فبكى الحسين وقال رحم الله مسلماً ، فقد صار إلى روح الله وريحانه وتحياته ورضوانه ، أما أنه قد قضى ما عليه وبقى ما علينا ، وقال عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أمتنا . ثم أنشد :ا
فإن تكن الدنيا تعـد نفيســة ................. فإن ثـواب الله أعلى وأنبــــل
وإن تكن الأبدان للموت أنشئت .......... فقتل امرئ بالسيف في الله أفضـل
وإن تكن الأرزاق قسماً مقدراً ......... فقلة حرص المرء في السعي أجمل
وإن تكن الأموال للترك جمعها ........... فما بال متروك به المرء يبخــل
ولما قرب من الكوفة كبر رجل من أصحابه . فقال له الله أكبر ، لمَ كبرت ؟ . قال رأيت النخل فقال رجل من بني أسد ما بهذه الأرض نخلة قط . فقال الحسين فما هو . قال أرى والله أسنة الرماح وآذان الخيل . فقال وأنا أيضاً أراه ذلك وكان كذلك ، لأن عبيد الله بن زياد أرسل الحر بن يزيد في ألف للقاء الحسين ، وأقبل الحر فقال له الحسين ، ألنا أَمْ علينا . فقال بل عليك يا أبا عبد الله . فقال الحسين لا حول ولا قوة إلا بالله العظيم . وجاء وقت فريضة الظهر فأمر الحسين مؤذنه بالآذان ، فأذن . وخرج الحسين إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ، أيها الناس إنها معذرة إلى الله وإليكم ، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ورسلكم أنْ أقدم إلينا فليس لنا إمام لعل الله يجمعنا بك على الهدى ، فقد جئتكم ، فإن تعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم أقدم مصركم ، وإن لم تفعلوا أو كنتم بمقدمي كارهين انصرفت عنكم إلى المكان الذي أقبلت منه . فسكتوا وأقام المؤذن فقال الحسين للحر ، أتريد أن تصلي أنت بأصحابك . فقال لا ، بل صل أنت ونصلي بصلاتك . فصلى بهم الحسين . وبعد الصلاة انصرف الحر إلى مكانه . ثم جاءت صلاة العصر فصلى بهم الحسين ، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال ، أما بعد ، أيها الناس فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله ، ونحن أهل البيت أولى بولاية هذا الأمر من هؤلاء المدعين ما ليس لهم والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أنتم كرهتمونا وجهلتم حقنا وكان رأيكم غير ما أتتني به كتبكم ورسلكم انصرفت عنكم . فقال له الحر ، والله لم أعلم بشيء مما ذكرت وما ندري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر . فأمر عقبة بن سمعان بإحضارها . فأحضر خرجين قد ملئا كتباً . فقال الحر إنَّا لسنا من هؤلاء ، وأما أنا فلا يمكنني الرجوع إلى الكوفة في وقتي هذا ، وأما أنت فخذ طريقك هذا واذهب حيث شئت ، وأنا أكتب إلى بن زياد أن الحسين خالفني الطريق ولم أظفر به ، وأنشدك الله في نفسك وفيمن معك . فسلك الحسين رضي الله عنه طريقاً غير الجادة راجعاً إلى الحجاز ، وسار هو وأصحابه ليلتهم ، فلما أصبحوا فإذا الحر بن يزيد في جيشه وهو معهم . فقال له الحسين ، كيف هذا ؟ ما جاء بك . قال سعى بي إلى بن زياد ، وعليَّ عين من جهته ، فجاءني كتابه يؤنبني في أمرك تأنيباً كثيراً وقال ، تظفر بالحسين وتتركه ، كن عيناً عليه ولا تفارقه إلى أن تأتيك الجيوش ، ولا بقى لي سبيل إلى مفارقتك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله . فقال الحسين الموت أدنى إليك من ذلك ، ثم أمر أصحابه فركبوا لينصرفوا ، فمنعهم الحر من ذلك . فقال له الحسين ثكلتك أمك ، ما تريد . فقال الحر أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليه ما تركت ذكر أمه بالثكل كائناً من كان ، ولكن ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه . فقال له الحسين ما تريد . قال الحر أريد أن انطلق بك إلى بن زياد . قال الحسين إذن والله لا أتبعك . قال الحر إذن والله لا أدعك ، فترادا الكلام ثلاث مرات . فقال له الحر إني لم أومر بقتالك ، وإنما أمرت ألا أفارقك حتى أقدمك الكوفة ، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا يدخلك الكوفة ولا يردك إلى المدينة ، يكون بيني وبينك نصفاً حتى أكتب إلى بن زياد وتكتب أنت إلى يزيد ، فلعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي من أمرك . ثم قال له أذكرك الله في نفسك فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن . فقال الحسين ، أفبالموت تخوفونني وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ، وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخوفه بن عمه وقال أين تذهب ، فإنك مقتول .ا
فقال :ا
سأمضي وما بالموت عار على الفتى .............. إذا ما نوي خير وجاهــد مسلمــاً
وواسى رجالاً صالـحين بنفســـه ................... وخالف مثبوراً وفـارق مجـــرماً
أقدم نفسي لا أريــد بقــــاءها .................. لتلقى خميساً في الوغي دعر مسرماً
فإن عشت لم أندم وإن مت لم ألــم ..................كفى بك ذلاً أن تعيــش وترغمــاً
فلما سمع الحر ذلك تنحى عنه ، فساروا إلى عذيب الهجانات ثم إلى القطقطانة حتى انتهوا إلى نينوي ، كل ذلك والحر يياسره مرة وييامنه أخرى ، ثم إن الحسين خطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ، أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من رأى سلطاناً جائراً مستحلا لحرم الله ناكثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقاً على الله أن يدخله مدخله ) . ألا وأن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن واظهروا الفساد وعطلوا الحدود واستشاروا بالفئ وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله ، وأنا أحق من غيري ، وقد أتتني كتبكم ورسلكم ببيعتكم وإنكم لا تسلموني ولا تخذلوني فإن أقمتم على بيعتكم تصيبوا رشدكم ، وأنا الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، نفسي مع نفسكم وأهلي مع أهلكم ، فلكم فيَّ أسوة وإن لم تفعلوا ونقضتم عهدي وخلعتم بيعتي فلعمري ، ما هي لكم بنكير لقد فعلتموها بأبي وأخي وبن عمي مسلم بن عقيل ، والمغرور من اغتر بكم فخطكم أخطأتم ونصيبكم ضيعتم ، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه ، وسيغني الله عنكم ، والسلام . ثم أرسل عبيد الله بن زياد كتاباً إلى الحر قال فيه ، أما بعد فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ويقدم عليك رسولي ، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء ، وقد أمرت رسولي أن يلزمك فلا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري ، والسلام . وأراد الحسين المسير فقال له الحر ، هذا كتاب الأمير عبيد الله وَصَلَ إليَّ يأمرني بالتضييق والتشديد عليك في المكان يأتيني فيه كتابه ، وقد أمر رسوله أن لا يفارقني حتى أنفذ رأيه وأمره ، وأمرهم الحر بالنزول على غير ماء ولا في قرية . فقال له الحسين ويحك ، دعنا ننزل في نينوى أو الغاضرية أو شغية . فقال لا أستطيع ، هذا رجل قد بعث عيناً عليَّ . فقال زهير بن القين للحسين أنه لا يكون والله بعد ما ترون إلا ما هو أشد منه يا بن رسول الله ، وإن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم ، فلعمري ، ليأتيننا من بعدهم ما لا قبل لنا به . فقال الحسين ما كنت لأبدأهم بقتال . فقال له زهير سر بنا يا بن رسول الله حتى ننزل كربلاء ، فإنها على شاطئ الفرات ، فإن منعونا قاتلناهم واستعنا بالله عليهم ، فقتالهم أهون علينا من قتال من يجئ بعدهم فما زالوا يتيامنون ويتياسرون والحر يمنعهم حتى بلغوا كربلاء . فقال الحسين ما اسم هذه الأرض . فقيل كربلاء . فقال كرب وبلاء ، اللهم أعوذ بك من الكرب والبلاء ، أنزلوا ، هاهنا مناخ ركابنا ومحط رحالنا ومقتل رجالنا ومسفك دمائنا . وكتب بن زياد إلى الحسين كتاباً قال فيه أما بعد ، فقد بلغني يا حسين نزولك بكربلاء وقد كتب أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير ولا أشبع من الخمير أو الحقك باللطيف الخبير أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد ، والسلام . فألقى الحسين الكتاب من يده وقال ، لا أفلح قوم اشتروا مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، ثم قال لرسوله ما له عندي جواب لأنه قد حقت عليه كلمة العذاب .ا
عمر بن سعد بن أبي وقاص
هو بن سعد بن أبي وقاص صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو ذلك الصحابي الجليل الذي كثيراً ما تحدثت كتب السير عن فضله وبلائه في الإسلام وإقامة صرحه ما هو مشهور ومعروف ، رضي الله تبارك وتعالى عنه . ولقد لقي ابنه عمر وهو شاب علياً بن أبي طالب ، فقال له علي رضي الله عنه ويحك يا بن سعد ، كيف بك إذا قمت يوماً مقاماً تخير فيه بين الجنة والنار فتختار النار . وكان عمر بن سعد والياً على الري لابن زياد . فلما خرج الحسين إلى الكوفة دعا بن زياد عمر بن سعد وخيره في أن يخرج لقتال الحسين أو يدع ولاية الري ، فاختار قتال الحسين ، وبذلك صدقت نبوءة علي رضي الله عنه . ومن ذلك ما روي أن بن زياد دعا عمر بن سعد وقال له سر إلى الحسين فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرت إلى عملك ، فاستعفاه . فقال نعم على أن ترد عهدنا . فلما قال له ذلك قال أمهلني اليوم حتى أنظر ، فاستشار نصحاءه ، فكلهم نهاه ، وأتاه حمزة بن المغيرة بن أخت سعد فقال ، أنشدك الله يا خال أن لا تسير إلى الحسين فتأثم عند ربك وتقطع رحمك ، فوالله لأن تخرج من دنياك وما لك وسلطان الأرض كلها لو كان لك خير من أن تلقى الله بدم الحسين . فقال بن سعد أفعل ، وبات ليلته مفكراً ، فسمع وهو يناجي نفسه قائلاً :ا
دعاني عبيد الله من دون قومه................. إلى خطة فيها خرجت لحسيني
فوالله لا أدري وأني لحائـــر ..................... أفكر في أمري على خطريـن
أأترك ملك الري والري بغيتـي .................. أم أرجع مأثوماً بقتل حسيـن
وفي قتله النار التي ليس دونها ................. حجاب وملك الري قرة عيني
ثم أتي بن زياد فقال له ، إنك قد وليتني هذا العمل وسمع الناس ذلك ، فإن رأيت أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين من أشراف الكوفة من لست أغنى في الحرب منه . فقال له بن زياد لست أستشيرك فيمن أريد أن أبعث ، فإن سرت بجندنا وإلا فابعث إلينا بعهدنا . قال فإني سائر . فجهز له جيشاً وسار به إلى الحسين رضي الله عنه . فلما نزل به بعث إلى الحسين رسولاً يسأله ما الذي جاء به . فقال الحسين كتب إليَّ أهل مصركم هذا أن أقدم عليهم ، فإما أذكر هو في ، فإني انصرف عنهم . فقال بن سعد إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله . وكتب إلى بن زياد بذلك ، فلما قرأ الكتاب قال :ا
الآن إذ علقت مخالبنا به ............ يرجو النجاة ولاة حين مناص
ثم كتب إلى بن سعد يأمره أن يعرض على الحسين بيعة يزيد ، فإذا فعل ذلك رأينا ، رأينا وأن يمنعه ومن معه الماء . فأرسل عمر بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وبين الماء . ونادى عبد الله بن أبي الحصين الأزري قائلاً ، يا حسين إما تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء ، والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً . فقال الحسين اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً . قيل فمرض فيما بعد فكان يشرب الماء ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يتغرغر ثم يقئ ثم يشرب فما يروى ، فما زال كذلك حتى مات . ثم أرسل الحسين إلى عمر بن سعد عمرو بن قرظة الأنصاري أنْ القني الليلة بين عسكري وعسكرك . فخرج إليه عمر فاجتمعا وتحادثا طويلاً ثم انصرف كل واحد منهما إلى عسكره . وتحدث الناس أن الحسين قال لعمر بن سعد اخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين . فقال عمر أخشى أن تهدم داري . قال أبنيها لك خيراً منها . قال تؤخذ ضياعي . قال أعطيك خيراً منها من مالي بالحجاز . فكره ذلك عمر . وقيل أن الحسين قال لعمر بن سعد اختاروا مني واحدة من ثلاث ، إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني وبينه رأيه ، وإما أن أسير إلى ثغر من ثغور المسلمين فأكون رجلاً من أهله لي مالهم وعليَّ ما عليهم . وروي عن عقبة بن سمعان قال ، صحبت الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق ولم أفارقه حتى قتل ، وسمعت جميع مخاطباته إلى يوم مقتله ، فوالله ما أعطاهم ما يتذاكر به الناس من أنه يضع يده في يد يزيد ولا أن يسيروه إلى ثغر من الثغور ، ولكنه قال دعوني أرجع إلى المكان الذي أقبلت منه ، أو دعوني أذهب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمر الناس فلم يفعلوا . ثم التقى الحسين رضي الله عنه وعمر بن سعد ثلاثاً أو أربعاً كانا يتحاوران في كل منها حتى الهزيع الأخير من الليل ، ولم يعرف بالضبط ما دار بينهما ، ومن الجائز أن يكون كل ذلك حصل منهما لأنهما تقابلا مراراً ، فمن الجائز أن تكون كل رواية مما سبق قد تكلما بها في لقاء من لقاءاتهما المتكررة ، ولما لم يقبل عمر هذه عرض عليه الحسين غيرها ، ويظهر أنهما اتفقا أخيراً على أن يرسل عمر بن سعد كتاباً إلى عبيد الله يقول فيه أما بعد ، فإن الله قد أطفأ الثائرة وجمع الكلمة وأصلح أمر الأمة ، هذا الحسين قد أعطانا أن يرجع إلى المكان الذي أقبل منه ، أو أن نسيره إلى ثغر من ثغور المسلمين فيكون رجلاً منهم له مالهم وعليه ما عليهم ، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه رأيه وفي هذا لك رضاً وللأمة صلاح . فلما قرأ بن زياد الكتاب قال هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه ، نعم قد قبلت . فقال له شمر بن ذي الجوشن لعنه الله ، أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك ، والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز ، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوهن ، ولكن لينزل على حكمك ، فإن عاقبت كنت ولي العقوبة وإن عفوت كان ذلك لك ، والله لقد بلغني أن الحسين وعمر يتحدثان عامة الليل بين العسكرين . فقال بن زياد نعم ما رأيت أخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد ، فليعرض على الحسين النزول على حكمي ، فإن فعلوا فليبعث بهم إلىَّ سلماً ، وإن أبوا فليقاتلهم ، وإن فعل فاسمع له وأطع ، وإن أبى فأنت الأمير عليه واضرب عنقه وابعث إليَّ برأسه . وكتب إلى عمر بن سعد ، أما بعد ، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه ولا لتمنيه ولا لتطاوله ولا لتقعد له عندي شافعاً ، انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إليَّ سلماً وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتل الحسين فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاق شاق قاطع ظلوم ، فإن أنت مضيت لأمرنا جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أنت أبيت فاعتزل جندنا وخل بين شمر وبين العسكر ، والسلام . وأخذ شمر الكتاب فقال عبد الله بن حزام لابن زياد إن رأيت أن تكتب لبني أختنا أماناً فافعل . فكتب لهم أماناً . وكان بن حزام بن خال العباس وعبد الله وجعفراً وعثمان أولاد علي بن أبي طالب وأخوة الحسين من أبيه وكانوا مع أخيهم الحسين . فلما رأوا الكتاب قالوا لا حاجة لنا في أمانكم أمان الله خير من أمان بن سمية ( أم بن زياد ) . وقال لهم شمر بن ذي الجوشن أنتم آمنون فلا تقتلوا أنفسكم مع أخيكم الحسين ، وألزموا طاعة يزيد . فقالوا له لعنك الله ولعن أمانك ، أتؤمننا وبن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أمان له . ولما قدم شمر بكتاب بن زياد إلى عمر بن سعد قال له ، مالك ويلك قبح الله ما جئت به ، والله لأظنك أنت ثنيته أن يقبل ما كنت كتبت إليه به ، أفسدت علينا أمراً كنا رجونا أن يصلح ، والله لا يستسلم الحسين أبداً ، والله إن نفس أبيه لبين جنبيه . فقال له شمر أخبرني بما أنت صانع ، تمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوه وإلا فخل بيني وبين الجند ، قال ولا كرامة لك ، ولكن أنا أتولى ذلك فدونك ، فكن أنت على الرجالة .ا
الحسين يرثي نفسه
نادى عمر بن سعد فقال ، يا خيل الله اركبي وبالجنة أبشري ، وجاء خيل بن سعد نحو معسكر الحسين تتالياً ، والحسين جالس أمام فسطاطه محتبياً بسيفه ، وقد أخذته سنة من النوم ، فسمعت أخته زينب رضي الله عنها الضجة ، فدنت منه وقالت ، يا أخي أما تسمع هذه الضجة قد اقتربت . فرفع رأسه وقال ، إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة في المنام فقال إنك تروح إلينا . فلطمت أخته وجهها وقالت ، ياويلتاه . فقال ليس لك الويل يا أخيَّة ، اسكتي رحمك الله . قال له العباس أخوه ، يا أخي أتاك القوم . فقال اذهب إليهم فسلهم ما بدا لهم . فذهب إليهم في نحو عشرين فارساً فيهم زهير بن القيم فسألهم . فقالوا جاء أمر الأمير ، إما أن تأتوا على حكمه وإما أن نقاتلكم . فقال ، مكانكم حتى اذهب إلى أبي عبد الله فأعلمه . فقال له ارجع فارددهم إلى غدوة إن استطعت لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة ونستغفره وندعوه فهو يعلم إني كنت أحب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار . فرجع إليهم العباس وقال لهم ، يقول لكم أبو عبد الله انصرفوا عنا العشية حتى ننظر في هذا الأمر ، فإذا أصبحنا التقينا إنشاء الله ، فإما رضينا وإما رددناه . فقال عمر بن سعد ما ترى يا شمر . قال أنت الأمير فاقبل على الناس . فقال ما ترون . فقال له عمرو بن الحجاج الزبيدي ، سبحان الله والله لو كان من الديلم ثم سألكم هذه المسألة لكان ينبغي أن تجيبوهم . وقال قيس بن الأشعث بن قيس أجبهم لعمري ، ليصبحنك بالقتال غدوة . فقال لو أعلم أن يفعلوا ما أخرتهم العشية ، ثم رجع عنهم . فجمع الحسين أصحابه فخطب فيهم قائلاً ، أثنى على الله أحسن الثناء وأحمده على السراء والضراء ، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة وعلمتنا القرآن وفقهتنا في الدين وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة فاجعلنا لك من الشاكرين ، أما بعد ، فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله جميعاً عني خيراً ، ألا وإني لأظن يومنا من هؤلاء الأعداء غداً ، وإني قد أذنت لكم جميعاً فانطلقوا في حل ليس عليكم مني رغام وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعاً خيراً ، ثم تفرقوا في البلاد في سوادكم هذا ومدائنكم حتى يفرج الله ، فإن القوم لا يريدون غيري أحداً ، ولو أصابوني لهواً عن طلب غيري . فقال له أخوته وأبناؤه وأبناء أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر ، لَمْ نفعل هذا لنبقى بعدك ، لا أرانا الله ذلك أبداً . فقال الحسين يا بني عقيل حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا فقد أذنت لكم . قالوا وما نقول للناس ، نقول تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ، ولم نرم معهم بسهم ولم نطعن معهم برمح ولم نضرب بسيف ، وما ندري ما صنعوا ، لا والله لا نفعل ، ولكنا نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ونقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبح الله العيش بعدك . وقام إليه مسلم بن عوسجة فقال ، أنحن نتخلى عنك ولم نعذر إلى الله في أداء حقك ، أما والله لا أفارقك حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، والله لو لم يكن معي سلاح لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك . وقام إليه سعيد بن عيم لله الحنفي فقال ، لا والله يا بن رسول الله لا نخليك أبداً حتى يعلم الله إنا قد حفظنا فيك وصية رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، والله إني لو علمت أني أقتل فيك ثم أحيى ثم أحرق حياً ثم أذرّى في الهواء يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقي حمامي دونك ، وكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ثم أنال الكرامة التي لا انقضاء لها أبداً . وقام إليه زهير بن القين فقال ، والله يا بن رسول الله لوددت إني قتلت ثم نشرت ألف مرة وأن الله تعالى يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أخوانك وولدك وأهل بيتك . وتكلم بعض أصحابه بمثل ذلك ، فقالوا أنفسنا لك ، الفداء نقيك بأيدينا ووجوهنا ، فإذا نحن قتلنا بين يديك نكون قد وفينا لربنا وقضينا ما علينا . وتكلم كل أصحابه بمثل هذا فجزاهم الله خيراً . واعتزل الحسين في خباء له وأخذ يعالج سيفه ويصلحه ويقول :ا
يا دهر أفٍ لك من خليـل ......... كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل ......... والدهر لا يقنع بالبديــل
وإنما الأمر إلى الجليــل ........... وكل حي سالك سبيلــي
قال علي بن الحسين رضي الله عنه لقد أعادها مرتين أو ثلاثاً ، وكنت مريضاً وعمتي زينب تمرضني ، فحفظتها وعلمت ما أراد فخنقتني العبرة ، فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد نزل ، وأما عمتي فإنها لما سمعت ما سمعته وهي امرأة وفي النساء الرقة والجزع ، فلم تملك نفسها أن وثبت تجر ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه وقالت ، واثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياة اليوم ، ماتت أمي فاطمة وعلي أبي وحسن أخي ، يا خليفة الماضي وثمال الباقي فنظر إليها الحسين وقال ، يا أخية لا يذهبن حلمك الشيطان . فقالت بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله ، استقتلت نفسي فداك . فردد غصته وذرفت عيناه ، ما شاء الحزن أن يذرفه من الدموع . ثم قال ، لو ترك القطا ليلاً لنام . فقالت واويلتاه ، أفتغصبك نفسك اغتصاباً ، فذلك أقرح لقلبي وأشد على نفسي وأطول لحزني ، ثم لطمت وجهها وخرت مغشياً عليها . فصب على وجهها الماء حتى أفاقت ، ثم قال يا أخية اتقي الله وتعزي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون وأن كل شيء هالك إلا وجه الله ، الذي خلق الخلق بقدرته ويميتهم بقهره وعزته ويبعث الخلق ويعيدهم وهو فرد وحده ، جدي صلى الله عليه وسلم خير مني وأبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم أسوة حسنة برسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم قال أخيَّة إني أقسم عليك فأبري قسمي ، لا تَشقي عليَّ جيباً ولا تخمشي عليَّ وجهاً ولا ترعي عليَّ بالويل والثبور إن أنا هلكت . ويقول علي بن الحسين ثم أخذ بيدها فأجلسها عندي ثم خرج إلى أصحابه ، فأمرهم أن يقربوا البيوت بعضهم من بعض ، وأن يدخلوا الإطناب بعضها في بعض حتى يستقبلوا العدو من وجه واحد . ثم أمر بحفر خندق وراء البيوت وأضرم فيه النار حتى لا يأتي العدو من وراء بيوتهم ، وباتوا الليل كله يصلون ويستغفرون ويتضرعون وخيل عدوهم تدور من ورائهم تحرسهم حتى لا يفر أحد منهم ، كأنما كان يريد القوم قتلهم جميعاً .
أول من رمي
لاح فجر عاشوراء فقام الحسين فصلى ثم عبى أصحابه ، وكانوا اثنان وثلاثون فارساً وأربعون راجلاً ، فجعل زهير بن القين على ميمنته ، وعلى ميسرته حبيب بن مظاهر ، وأعطى رايته أخاه العباس بن علي ، وجعلوا البيوت وراء ظهورهم . وعبى عمر بن سعد رجاله ، وكانوا خمسة آلاف مقاتل ، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن ، وعلى الخيل عروة بن قيس ، وعلى الرجالة شبث بن ربعي ، وأعطى الراية دريداً مولاه . وقال رجل من أصحاب الحسين لأصحابه ، إني مستبشر بما نحن لاقون ، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم . وركب الحسين ناقته ووضع بين يديه مصحفاً ، ثم استقبل القوم رافعاً يديه وهو يناشد الله قائلاً ، اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من كرب يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بي وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته عني وكشفته وكفيتنيه ، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة . ولما رأى أصحاب عمر بن سعد النار تشتعل في الخندق نادى شمر الحسين ، تعجلت النار في الدنيا قبل القيامة . فعرفه الحسين فقال ، أنت أولى بها صلياً ، ثم نادى ، أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظكم بما يجب لكم عليَّ ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم ، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم عليَّ سبيل ، وإن لم تقبلوا مني العذر فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إليَّ ، ولا تنظرون أنَ ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين . فأنصت الناس كلهم . ولما سمع أخواته قوله بكين وصحن وارتفعت أصواتهن . فأرسل إليهن أخاه العباس وابنه علياً ليسكتاهن ، وقال لنفسه لعمري ، ليكثرن بكاؤهن . فلما سكتن قال ، أما بعد ، فانسبوني فانظروا من أنا ، ثم راجعوا أنفسكم فعاتبوها فانظروا هل يصلح ويحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي ، ألست بن بنت نبيكم وبن وصيه وبن عمه وأولى المؤمنين بالله والمصدق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند ربه ، أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي ، أو ليس جعفر الشهيد الطيار في الجنة بجناحين عمي ، أو لم يبلغكم قول مستفيض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي ولأخي هذان سيدا شباب أهل الجنة وقرة عين أهل السنة ، فإن صدقتموني فيما أقول وهو الحق والله ما تعمدت كذباً منذ علمت أن الله يمقت أهله ، وإن كذبتموني فإن فيكم من إذا سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابر بن عبد الله أو أبا سعيد أو زيد بن أرقم فهم يخبروكم أنهم سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما في هذا حاجز يحجزكم عن سفك دمي . فقال شمر وهو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول . فقال له حبيب بن مظاهر والله إني أراك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وأن الله قد طبع على قلبك فلا تدري ما تقول . ثم قال الحسين فإن كنتم في شك مما أقول أفَتَشكون في أني بن بنت نبيكم ، فوالله ما بين المشرق والمغرب بن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم أكلته أو بقصاص من جراحة . فسكت القوم . فنادى يا شبث بن ربعي ويا حجار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا زيد بن الحرث ، ألم تكتبوا إليَّ في القدوم عليكم ، ألم تكتبوا إليَّ أن قد أينعت الثمار واخضرت الجنان وإنما تقدم على جند لك مجند . فقال قيس بن الأشعث ما ندري ما تقول ، ولكم انزل على حكم بني عمك فإنهم لن يروك إلا ما تحب . فأجاب الحسين لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقر إقرار العبيد ، ثم قال أيها الناس ، إذ كرهتموني فدعوني أنصرف إلى مأمني من الأرض . فلم يقبلوا . فقال عباد الله إني عذت بربي وربكم أن ترجموني ، أعوذ بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب . وخرج زهير بن القين على فرس وقال ، يا أهل الكوفة نذار لكم من عذاب الله ، نذار أن حقاً على المسلم نصيحة المسلم ، ونحن حتى الآن أخوة على دين واحد ما لم يقع بيننا وبينكم السيف ، وأنتم للنصيحة منا أهل ، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة وكنا نحن أمة وأنتم أمة ، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيه محمد صلى الله عليه وسلم لينظر ما نحن وأنتم عاملون ، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية بن الطاغية عبيد الله بن زياد ، فإنكم لا تدركون منهما إلا سوءاً يسملان أعينكم ويقطعان أيديكم وأرجلكم ويمثلان بكم ويرفعانكم على جذوع النخل ويقتلان أمثالكم وقراءكم أمثال حجر بن عدي وأصحابه وهانئ بن عروة وأشباهه. فسبوه وأثنوا على بن زياد وقالوا ، والله لا نبرح حتى نقتل صاحبكم ومن معه ، أو نبعث به وبأصحابه إلى الأمير عبيد الله سلماً . فقال لهم يا عباد الله إن ولد فاطمة رضوان الله عليهم أحق بالود والنصر من بن سمية ، فإن كنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم ، خلوا بين الرجل وبين بن عمه يزيد بن معاوية ، فلعمري أن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين فسبه شمر وقال أسكتْ ، أَسكتَ الله نامتك ، أبرمتنا بكثرة كلامك . فقال زهير ، يا بن البوال على عقبيه ، ما إياك أخاطب ، إنما أنت بهيمة ، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين ، وابشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم . فقال إن الله قاتلك وصاحبك عن ساعة . قال أفبالموت تخوفني ، والله ما للموت معه أحب إليَّ من الخلد معكم . ثم رفع صوته وقال ، عباد الله لا يغرنكم من دينكم هذا الجلف الجافي ، فوالله لا تنال شفاعة محمد قوماً أهرقوا دماء ذريته وأهل بيته ، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم . فأمره الحسين فرجع . ثم أناخ الحسين ناقته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها ، وركب فرسه وتهيأ للقتال ونادى في الناس قائلاً ، تباً لكم أيها الجماعة وترحاً ، أحين استصرختمونا والهين فأصرخنا راجفين ، سللتم علينا سيفاً لنا في إيمانكم ، وحششتم علينا ناراً ترضاها على عدوكم وعدونا ، فأصبحتم إلباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدل أفشوه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم ، فهلا لكم الويلات ، تركتمونا والسيف مشيم والجأش طامن والرأي لما يستصحف ، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدَّبا وتداعيتم إليها كتداعي الفراش ، فسحقاً لكم يا عبيد الأمة وشذاذ الأحزاب ونبذة الكتاب ونفثة الشيطان وعصبة الآثام ومحواً في الكتاب مطفئ السنن وقتلة أولاد الأنبياء ومبيدي عترة الأوصياء وملحقي العهار بالنسب ومؤذي المؤمنين وصراخ أئمة المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين ولنبس ما قدمت لهم أنفسهم وفي العذاب هم خالدون ، وأنتم وبن حرب وأشياعه تعضدون ، وعنا تخاذلون أجل والله الخذل فيكم معروف شجت عليه أصولكم وتآزرت عليه فروعكم ، فكنتم أخبث شيء شجا للناظر ، وأكلة للغاصب ، ألا لعنة الله على الناكثين الذين ينقضون الإيمان بعد توكيدها ، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ، فأنتم والله هم إلا أن الدعي بن الدعي قد ركز بين اثنتين ، بين السِّلة والذلة ، وهيهات منا الذلة ، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون ، وحجور طابت وحجور طهرت ، وأنوف حمية ونفوس أبية ، لا تؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام ، ألا قد أعذرت وأنذرت ، ألا وإني زاحف بهذه الأسرة مع قلة العدد وكثرة العدو وخذلان الناصر . ثم تمثل :ا
فإن نهزم فهزامون قدما ........... وإن نغلب فغيــر مغلَّبينـا
وما أن طبنا جبن ولكن ............ منايانا ودولـــة آخرينـا
إذا الموت رفع عن أناس ............ كلا كله أنــاخ بآخرينـا
فأفنى ذلكم سروات قومي ......... كما أفنى القرون الأولينـا
فلو خلد الملوك إذن خلدنا ........ ولو بقي الكرام إذن بقينـا
فقل للشامتين بنا أفيقوا ......... سيلقى الشامتون كما لقينا
(هكذا نقل ) .
ثم قال ، أما والله لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى وتقلق بكم قلق المحور ، عهد عهده إليَّ أبي عن جدي ، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ، ثم اقضوا إليَّ ولا تنظرون أني توكلت على الله ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ، إن ربي على صراط مستقيم ، اللهم احبس عنهم قطر السماء وابعث عليهم سنين كسنين يوسف وسلط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة ولا يدع فيهم أحداً إلا قتلةً بقتلة وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم فإنهم غرونا وكذبونا وخذلونا ، وأنت ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير . ثم قال لعمر بن سعد ، يا عمر أنت تقتلني وتزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان ، والله لا تتهنى بذلك أبداً عهداً معهوداً ، فاصنع ما أنت صانع فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، وكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضاً بينهم . فتقدم عمر بن سعد برايته نحو الحسين وأصحابه ورماهم بسهم وقال ، اشهدوا أني أول من رمي . فتراموا بالنبال ثم خرج يسار مولى زياد وسالم مولى بن زياد وقالا ، من يبارز . فاستأذن عبد الله بن عمير الكلبي الحسين في الخروج إليهما ، فأذن له . فشد على يسار وضربه فقتله ، فحمل عليه سالم فلم ينتبه حتى غشيه وبدره بضربة فاتقاها بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه ، ثم مال عليه بن عمير فضربه فقتله . وأخذت امرأته عموداً وأقبلت نحو زوجها وهي تقول ، فداك أني وأمي ، قاتل دون الطيبين ذرية محمد . فردها نحو النساء فامتنعت وقالت ، لن أدعك دون أن أموت معك . فناداها الحسين وقال ، جزيتم من أهل بيتي خيراً ، ارجعي رحمك الله فإنه ليس على النساء جهاد . فرجعت . وزحف عمرو بن الحجاج في ميمنة عمر على ميمنة الحسين ، فلما دنا منهم جثوا له على الركب واشرعوا الرماح نحوهم ، فلم تقدم خيلهم على الرماح . فذهبت الخيل لترجع فرشقهم أصحاب الحسين بالنبل ، فصرعوا منهم رجالاً وجرحوا آخرين . وتقدم رجل منهم يقال له عبد الله بن حوزة فقال ، أفيكم الحسين . فلم يجبه أحد . فقالها ثلاثاً . فقالوا نعم ، فما حاجتك . قال يا حسين ابشر بالنار . فقال له كذبت ، بل أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع ، فمن أنت . قال بن حوزة . فرفع الحسين يده وقال ، اللهم حزه إلى النار . فغضب بن حوزة وأقحم فرسه في جدول بينهما ، فتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى وجالت به الفرس ، فسقط عنها فانقطعت فخذه وساقه وقدمه ، وبقي نصفه الآخر متعلقاً بالركاب يضرب به كل حجر وشجر حتى مات . وكان مسروق بن وائل الحضرمي قد خرج معهم وقال لعلي أصيب رأس الحسين فأنال به منزلة عند بن زياد ، فلما رأى ما صنع الله بابن حوزة بدعاء الحسين رجع وقال ، لقد رأيت من أهل هذا البيت شيئاً فلا أقاتلهم أبداً . وقتل كعب بن جابر الأزوي برير بن خضير ، ولما رجع كعب قالت له امرأته أعنت على بن فاطمة ، وقَتَلْتْ بريراً سيد القراء ، لا أكلمك أبداً . وخرج عمرو بن قرظة الأنصاري وقاتل دون الحسين وهو يقول : ا
قد علمت كتيبـة الأنصــار ............ أني سأحمي حوزة الزمـار
ضرب غلام غير نكى شاري ......... دون حسين مهجتي وداري
( بن الأثير ) .
ومازال يقاتل حتى قتل . وكان أخوه مع عمر بن سعد ، فنادى ، يا حسين يا كذاب بن الكذاب أضللت أخي وغررته حتى قتلته . فقال إن الله لم يضل أخاك بل هداه وأضلك . قال قتلني الله إن لم أقتلك أو أموت دونك ، فحمل فاعترضه نافع بن هلال المرادي فطعنه فصرعه ، فحمل أصحابه فاستنقذوه وبرئ بعدها . وكثرت المبارزة بين الفريقين والنصر لأصحاب الحسين رضي الله عنهم جميعاً ، وأبلى أصحاب الحسين بلاءاً حسناً ، وإنما كان النصر لهم لأنهم كانوا يطلبون الموت فلا يلاقونه ، ولأنهم كانوا يستميتون في مبارزة عدوهم . وأما خصومهم فكانوا يحاربون طمعاً بالعطاء الوافر والربح الآجل . ولما رأى ذلك عمرو بن الحجاج صاح بالناس أتدرون من تقاتلون فرسان المصر ، قوماً مسميتين لا يبرز إليهم منكم أحد ، فإنهم قليل ، وقلما يبقون ، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم ، يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم وجماعتكم ، لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الإمام . وسمعه الحسين فقال ، يا عمرو بن الحجاج أعليَّ تحرض الناس ، أنحن مرقنا من الدين أم أنتم ، والله لتعلمن لو قبضت أرواحكم ومتم على أعمالكم أينا المارق . فحمل علي الحسين وحمل معه شمر بن ذي الجوشن . فاضطربوا ساعة ثم انصرف عمرو بعسكره . فارتفعت الغبرة فإذا مسلم بن عوسجة صريع ، فمشي إليه الحسين وبه رمق فقال ، رحمك الله يا مسلم بن عوسجة . ودنا منه حبيب بن مظاهر وسأله أن يوصي بما يريد . فقال أوصيك بهذا رحمك الله ، وأومأ بيده نحو الحسين أن تموت دونه . فقال أفعل . فقال له الحسين ،( فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ) فقال حبيب بن مظاهر عز عليَّ مصرعك يا مسلم ، أبشر بالجنة . فقال له مسلم بصوت خافت بشرك الله بالخير ، ومات . ثم حمل شمر بن ذي الجوشن وحملوا على الحسين وأصحابه من كل جانب . وقاتل أصحاب الحسين قتالاً شديداً ، فكان وأحدهم ما يبارز رجلاً إلا قتله ، ولا يهاجم صفاً إلا خرقه . وجثا يزيد بن زياد الكندي على ركبتيه بين يدي الحسين وكان رامياً ، فرمي بمائة سهم ما سقط منها خمسة أسهم . وكل ما رمي يقول له الحسين ، اللهم سدد رميته واجعل ثوابه الجنة . وكان يزيد هذا فيمن خرج لقتال الحسين مع بن سعد ، فلما لم يقبلوا شروطه انضم إليه وقاتل بين يديه حتى قتل . وراح أصحاب الحسين يقتحمون عدوهم ، وأخذت خيلهم وهم اثنان وثلاثون فلم تحمل على جانب من خيل الكوفة إلا كشفته . فلما رأى ذلك عروة بن قيس وهو على خيل الكوفة بعث إلى عمر بن سعد ، ألا ترى ما تلقى خيلي في هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة ، ابعث إليهم الرجال والرماة . فبعث إليهم بن سعد الرماة ، عليهم الحصين بن مخير ، وكانوا خمسمائة ، فرشقوا خيول أصحاب الحسين بالنبل ، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وصاروا كلهم رجاله . وحان وقت صلاة الظهر فقال الحسين ، سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي . فقال لهم الحصين إنها لا تقبل منكم . فقال له حبيب بن مظاهر زعمت أن لا تقبل الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقبل منك يا حمار . فحمل عليه الحصين وخرج إليه حبيب فضرب وجه فرسه ، فشب فسقط عنه الحصين ، فاستنقذه أصحابه . فقال الحسين ألسنا نحارب لإقامة الصلاة ، ثم صلى بأصحابه صلاة الخوف ، بعد أن قال لزهير بن القين وسعيد بن عبد الله الحنفي تقدما أمامي حتى أصلي . فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه ، وبدأ الصلاة ، فأصابه سهم . فتقدم سعيد بن عبد الله فوقاه من السهام بنفسه ، ولا يزال يرمى بالنبل حتى سقط إلى الأرض وهو يقول ، اللهم العنهم لعن ثمود ، وعاد اللهم ابلغ نبيك عني السلام وأبلغه ما لتقيت من ألم الجراح ، فإني أردت ثوابك في نصر نبيك . ثم استأنفوا فقاتل زهير بن القين قتالاً شديداً وهو يرتكز ويقول :ا
أنا زهير وأنا بن القين ........... أذودكم بالسيف عن الحسين
ثم يضرب على منكب الحسين ويقول :ا
أقدم هديت هادياً مهديـاً ........... فاليوم تلقى جدك النبيـا
وحسناً والمرتضى علياً .......... وذا الجناحين الفتى الكيا
وأسد الله الشديد الحيـا
ثم قتل . وقاتل حبيب بن مظاهر قتالاً شديداً ، فقتل رجلاً من بني تميم وهو يقول :ا
أنا حبيب وأبي مظهـر .......... فارس هيجاء وحرب تسعر
أنتم أعد عدة وأكثــر ............ ونحن أعلى حجةً وأظهــر
وأنتم عند الوفاء أغدر ........... ونحن أوفى منكم وأصبــر
حقا وأبقى منكم وأطهر
ثم قتل . فقال الحسين عند ذلك أحتسب نفسي . وقاتل الكلبي قتالاً شديداً حتى قتل . فخرجت امرأته فجلست عند رأسه تمسح التراب عن وجهه وتقول ، هنيئاً لك الجنة . فأمر شمر غلاماً اسمه رستم فضرب رأسها بالعمود فماتت مكانها . وبالجملة فقد قاتل أصحاب الحسين قتالاً شديداً مع قلة عددهم وعددهم . فعدد عدوهم كان يربو على الخمسة آلاف . وكانوا أصحاب الحسين يقتلون منهم كثيراً ولكن لكثرة عددهم لا تظهر . وكلما قتل من أصحاب الحسين رجل أو رجلان يظهر فيهم لقلة عددهم . ولما رأى أصحاب الحسين كثرة عدوهم وقلتهم وأنهم لا يقدرون أن يمنعوا الحسين ولا أنفسهم تنافسوا أن يقتلوا بين يديه . فقاتلوا قتال المستميت . وكان نافع بن هلال قد كتب اسمه فوق نبله وكانت مسمومة ، فقتل اثني عشر رجلاً ، سوى من جرح . فضرب حتى كسرت عضداه وأخذ أسيراً . فأخذه شمر بن ذي الجوشن فأتى به عمر بن سعد والدم على وجهه وهو يقول ، لقد قتلت منكم اثني عشر رجلاً سوى من جرحت ، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتموني . فانتضى شمر سيفه ليقتله . فقال له نافع والله لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا ، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه فقتله شمر .وجاء الحسين أخوان يبكيان ، فقال لهما الحسين ما يبكيكما ، إني لأرجو أن تكونوا بعد ساعة قريري عين . فقالا والله ما على أنفسنا نبكي ، ولكن نبكي عليك ، نراك قد أحيط بك ولا نقدر أن نمنعك . فقال جزاكما الله جزاء المتقين . وجاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين وجعل ينادي ، يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ، وما الله يريد ظلماً للعباد ، يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد ، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ، ومن يضلل الله فما له من هاد ، يا قوم لا تقتلوا الحسين ، فسيحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى . فقال له الحسين رحمك الله إنهم قد استوجبوا العذاب حين ردوا ما دعوتهم إليه من الحق ، ونهضوا ليستبيحوك وأصحابك ، فكيف بهم الآن قد قتلوا إخوانك الصالحين . فسلم على الحسين وأهل بيته وتقدم وقاتل حتى قتل . واشتد بالحسين وأصحابه العطش . وكان مع الحسين رجل من أهل الزهد والورع يقال له يزيد بن حصين الهمداني فقال للحسين ، ائذن لي يا بن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن آتي عمر بن سعد فأكلمه في الماء لعله أن يرتدع . فأذن له . فجاء الهمداني إلى عمر بن سعد وكلمه في الماء . فامتنع ولم يجبه . فقال له يا هذا ماء الفرات يشرب منه الكلاب والدواب وتمنعه بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاده وأهل بيته ، والعترة الطاهرة يموتون عطشاً وقد حلت بينهم وبين الماء وتزعم أنك تعرف الله ورسوله . فأطرق عمر بن سعد ثم قال ، يا أخا همدان إني لأعلم ما تقول ، ولكن ما تجيبني نفسي لترك ملك الري لغيري . فرجع يزيد إلى الحسين فأخبره بمقالة بن سعد ثم حمل شمر بن ذي الجوشن على أصحاب الحسين وأحدقوا بهم من كل جانب ووضعوا فيهم السيوف ورموهم بالنبال وهم يقاتلونهم أحر قتال ، يتنافسون على الموت بين يدي الحسين . وكان الرجل يأتي بعد الرجل إلى الحسين فيودعه الوداع الأخير ويقول له السلام عليك يا بن رسول الله . فيجيبه قائلاً وعليك السلام ، ونحن خلفك ، ثم يقاتل بين يديه حتى يقتل . ومازالوا كذلك حتى قتلوا جميعاً ولم يبق سوى أهل بيت الحسين رضي الله عنهم جميعاً . فعند ذلك صاح الحسين قائلاً ، أما ذاب يذب عن حريم رسول الله صلى الله عليه وسلم . فأجابه الحر بن يزيد قائلاً ، أنا يا بن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كنت أول من خرج إليك بجيش بن زياد ، ولا أظن أن الأمر يصل إلى هذا وأنا الآن من حزبك وأنصارك . وخرج من عسكر بن سعد وأقبل يدنو نحو الحسين وهو يرتعد فظن المهاجر بن أوس أنه يرتعد من هول القتال ، فقال والله إن أمرك لمريب ، والله ما رأيت منك في موقف قط مثل الذي أراه الآن ، ولو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك . فقال له إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ولا أختار على الجنة شيئاً ولو قطعت وحرقت ، ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين وقال له ، جعلني الله فداك يا بن رسول الله ، أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع إلى مكة وسايرتك في الطريق ، وجعجعت بك في هذا المكان ، ووالله الذي لا إله إلا هو ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضت عليهم أبداً ولا يبلغون منك هذه المنزلة أبداً ، فقلت في نفسي لا أبالي أن أطيع القوم في بعض أمرهم ولا يرون أني خرجت من طاعتهم ، وأما هم فيقبلون بعض ما تدعوهم إليه ، ووالله لو طننت أنهم لا يقبلوها منك ما ركبتها منك ، وإني قد جئتك تائباً مما كان مني إلى ربي مواسياً لك بنفسي حتى أموت بين يديك ، أفترى ذلك توبة . قال نعم يتوب الله عليك ويغفر لك . وتقدم الحر أمام أصحابه وقال ، أيها القوم ألا تقبلون من الحسين خصلة من هذه الخصال التي عرض عليكم ، فيعافيكم الله من حربه وقتاله . فقال عمر بن سعد لقد حرصت لو وجدت إلى ذلك سبيلاً . فقال يا أهل الكوفة لامكم الهبل والعبر ، أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا جاءكم أسلمتموه وزعمت أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه وأمسكتم بنفسه وأخذتم بكظمه وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه في بلاد الله العريضة ، فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعاً ولا يدفع عنها ضراً ، ومنعتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري ، يشربه اليهود والنصارى والمجوس ، وتتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه ، فها هو وأهله قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمداً في ذريته ، لا سقاكم الله يوم الظمأ إن لم تتوبوا وتنزعوا عما أنتم عليه . فحملوا عليه فقاتلهم قتالاً شديداً حتى قتل ، رحمه الله وغفر له . وكان آخر من قتل من أصحاب الحسين سويد بن عمرو . ولم يبق معه إلا أهل بيته خاصة وهم عدد قليل . ويقول صاحب كتاب آل محمد في كربلاء ، وكان النهار قد انتصف أو كاد وقد تفانى أنصار الحسين في القتال دونه والدفاع عنه ، فصرعوا واحداً بعد واحد ، واستشهدوا شهيداً بعد شهيد ، وقد تخيروا منيتهم وتسابقوا إليها وكلهم مدرك أن الحسين شهيد وأنه مقتول ، فكان واحدهم يخشى أن يقع القضاء وهو حي فيقتحم صفوف الخصوم يتخطفهم بسيفه ويتخطفوه بسيوفهم فيسجى في ساحة القتال شهيداً باسم الثغر مطمئن القلب ضاحك الوجه أن فدى الحسين بنفسه ووقاه بروحه ورد عنه كيد خصومه ولو إلى حين . فلما استشهد أصحاب الحسين إلا أقلهم برز شباب بني هاشم بدورهم يدافعون عن والدهم وعمهم وابن عمهم ونسيبهم بقلوبهم وصدورهم .ا
أول شهيد من بني أبي طالب
فخرج علي الأكبر بن الحسين وكان من أصبح الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً وكان عمره تسع عشرة سنة ، فاستأذن أباه في القتال ، فأذن له ونظر إليه ثم آهَّ أهَّات طويلة وأسبل عبرته وأذرى دموعه ، ثم رفع سبابتيه نحو السماء وقال ، اللهم كن أنت الشهيد عليهم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خلقاً وخلقاً ومنطقاً برسولك ، وكنا إذا اشتقنا إلى نبيك نظرنا إليه ، اللهم امنعهم بركات الأرض وفرقهم تفريقاً ومزقهم تمزيقاً واجعلهم طرائق قدراً ولا ترض الولاة عنهم أبداً ، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا يقاتلوننا . وجعل علي بن الحسين يشد عليهم ويقول :ا
أنا علي بن الحسين بن علي ....... نحن وبيت الله أولى بالنبــي
تاالله لا يحكم فينا بن الدعـي ..... أضرب بالسيف أحامي عن أبي
ضرب غلام هاشمي عَلَوي
ثم يرجع فيقول ، يا أبت العطش قتلني وثقل الحديد أجهدني فهل إلى شربة من الماء سبيل . فبكى الحسين وقال ، واغوثاه يا بني ، من أين آتي لك بالماء ، قاتل قليلاً فما أسرع ما تلقى جدك محمداً صلى الله عليه وسلم فيسقيك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبداً . فجعل يكر كرة بعد كرة وأهل الكوفة يتقون قتله . فاعترضه مرة بن منقذ العبدي وطعنه بالرمح . فنادى يا أبتاه عليك السلام هذا جدي يقرئك السلام ويقول لك عجل القدوم علينا . وتراغى عليه الناس فقطعوه بسيوفهم . فلما رأى ذلك الحسين قال ، قتل الله قوماً قتلوك يا بني ، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول ، على الدنيا بعدك العفاء . وأقبل الحسين إليه ومعه فتيانه فقال ، احملوا أخاكم . فحملوه حتى وضعوه بين يدي الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه . وخرجت زينب شقيقة الحسين رضي الله عنهما وهي كأنها الشمس فقالت ، يا أخياه وابن أخياه وأكبت عليه . فجاءها الحسين وردها إلى الفسطاط . ثم إن عمرو بن صبيح الصدائي رمي عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم فوضع كفه على جبهته فلم يستطع أن يحركها ، ثم رماه بسهم آخر فقتله . وحمل الناس عليهم من كل جانب ، فقتلوا عون بن عبد الله بن جعفر ومحمد بن عبد الله بن جعفر وعبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب وجعفر بن عقيل . ثم حمل القاسم بن الحسن بن علي رضي الله عنهم جميعاً وبيده السيف ، قال حميد بن مسلم خرج علينا غلام كان وجهه شقة قمر وفي يده سيف وعليه قميص وأزار ونعلان ، وقد انقطع شسع أحدهما ما أنسى أنها كانت اليسرى ، فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل والله لأشدن عليه ، فقلت سبحان الله وما تريد بذلك ، والله لو ضربني ما بسطت إليه يدي ، دعه يكفيكه هؤلاء الذين تراهم احتوشوه . فقال والله لأشدن عليه ، فشد عليه فماد لي حتى ضربه بالسيف على رأسه ففلقه ودفع الغلام إلى الأرض لوجهه ، ونادى الغلام يا عماه . فانقض عليه الحسين كالصقر ، ثم شد شدة ليث أغضب ، فضرب عمرو بن سعد بالسيف فاتقاها بالساعد فقطعها من المرفق ، فصاح صيحة سمعها أهل العسكر ثم تنحى عنه وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمرو من الحسين ، فاستقبلت عمرو بصدورها وجالت عليه بفرسانها فوطئته حتى مات ، ثم انجلت الغيرة فإذا الحسين قائم على رأس الغلام والغلام يفحص برجله والحسين يقول ، بعداً لقوم قتلوك ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك ، ثم قال عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك أو يجيبك ثم لا ينفعك صوته ، والله كثر واتره وقل ناصره ، ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض وقد وضع الحسين صدره على صدره ثم جاء به حتى ألقاه مع ابنه على الأكبر ومع من قتل من أهل بيته ، فسألت عن الغلام فقيل لي هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان لا يبلغ الحلم . ثم جلس الحسين أمام الفسطاط فأتى بابنه عبد الله وهو طفل فأجلسه في حجره فرماه رجل من بني أسد بسهم فذبحه ، فتلقى الحسين دمه في كفه ولما امتلأ كفه صبه في الأرض ثم حمله حتى وضعه مع قتلى أهل بيته . ولما رأى العباس بن علي كثرة القتلى في أهله قال لاخوته من أمه وهم عبد الله وجعفر وعثمان تقدموا حتى أراكم قد نصحتكم لله ولرسوله . فتقدم عبد الله فقاتل قتالاً شديداً حتى قتل . وتقدم بعده جعفر بن علي فقتل ، ثم قتل عثمان بن علي ، وقتل أيضاً محمد بن علي بن أبي طالب . واشتد العطش بالحسين فدنا من الفرات ليشرب وبين يديه أخوه العباس فاعترضتهما خيل بن سعد وفيهم حصين بن تميم فقال ، ويلكم حولوا بينه وبين الفرات ولا تمكنوه من الماء . فحالوا بينه وبين الماء . فقال الحسين اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له . فغضب حصين ورماه بسهم فوقع في فمه الشريف ، فانتزعه الحسين وجعل يتلقى الدم بيده فامتلأت راحتاه من الدم فرمى به نحو السماء ، ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال ، اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك ، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً . قال صاحب كتاب شهيد كربلاء فوالله لم يمكث ذلك الرامي إلا يسيراً حتى صب الله عليه الظمأ فجعل لا يروى وهو يسقى الماء مبرداً ، وتارة يبرد له اللبن والماء جميعاً ويسقى فلا يروى . بل يقول ويلكم اسقوني قتلني الظمأ ، فما لبث إلا يسيراً حتى انفد بطنه ( يعني شق بطنه ) انفداد بطن البعير . وقاتل العباس قتالاً شديداً من أجل طلب الماء للحسين رضي الله عنهما ، فأحاط به القوم ففرقهم وضربه زيد بن ورقاء على يمينه فقطعها ، فأخذ السيف بشماله وحمل عليهم فضربه حكيم بن الطفيل على شماله فقطعها ، ثم ضربه آخر بعمود فقتله رحمة الله عليه . وبقي الحسين وحده في الميدان فتقدم إليه شمر بن ذي الجوشن برجاله وجعل يحرضهم على الحسين ، والحسين يحمل عليهم فينكشفون عنه ، ثم إنهم أحاطوا به وكلما انتهى إليه رجل رجع عنه وكره أن يتولى قتله وعظم إثمه . ثم إن رجلاً من كندة يقال له مالك أتاه فضربه على رأسه بالسيف فقطع البرنس وأدمى رأسه وامتلأ البرنس دماً . وقال له الحسين لا أكلت بها ولا شربت وحشرك الله مع الظالمين . وألقى البرنس ولبس القلنسوة ، وأخذ الكندي البرنس ، فلما قدم على أهله أخذ البرنس يغسل الدم عنه . فقالت له امرأته أسلب بن رسول الله تدخل بيتي ، أخرجه عني . قال فَلَمْ يزل ذلك الرجل فقيراً بشر حتى مات . وأقبل إلي الحسين عبد الله بن الحسن بن علي وهو غلام لم يراهق ، فقام إلى جنبه . وقد أهوى بحر بن كعب إلى الحسين بالسيف . فقال الغلام يا بن الخبيثة أتقتل عمي . وضرب الحسين بسيفه فاتقاه الغلام بيده فقطعها إلى الجلد فصرخ الغلام فاعتنقه الحسين وقال له يا بن أخي اصبر على ما نزل بك ، فإن الله يلحقك بآبائك الطاهرين . ثم قاتل من أمامه فانكشفوا عنه . قال عبد الله بن عمار رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل علي من على يمينه حتى انذعروا عنه . فوالله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل أولاده وأصحابه أربط جأشاً منه ولا أمضى جناناً منه ، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله . وقال حميد بن مسلم جعل الحسين يشد على الرجال وهو يقول ، أعلى قتلي تحاثون ، أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله أسخط عليكم بقتله مني ، وأيم الله إني أرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ، أما والله لو قتلتموني لألقى الله باسكم بينكم وسفك دماءكم ، ثم لا يرضى لكم بذلك حتى يضاعف لكم العذاب الأليم . ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل برجاله نحو منزل الحسين فحالوا بينهما . فقال لهم الحسين ويلكم إن لم يكن لكم دين ولا تخافون يوم الميعاد فكونوا أحراراً ذوي أنساب ، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهالكم . ثم إن جماعة آخرين تبادروا إلى الحريم والأطفال يريدون سلبهم . فصاح الحسين ، ويحكم يا شيعة الشيطان ، كفوا سفهاءكم عن الحريم والأطفال فإنهم لم يقاتلوكم . فقال شمر لك ذلك يا بن فاطمة . وقال لأصحابه كفوا عن الحريم واقصدوا الرجل . فحمل الحسين على الذين عن يمينه فتفرقوا ، وحمل على الذين عن شماله ففرقهم ، وبينما هو كذلك إذ خرجت أخته زينب رضي الله عنها وهي تقول ، ليت السماء انطبقت على الأرض ، ونظرت إلى عمر بن سعد فقالت ، يا عمر أيقتل أبا عبد الله وأنت تنظر . فدمعت عيناه حتى سالت دموعه على خديه ولحيته وصرف وجهه عنها . والحسين يقاتل قتال الفارس الشجاع يتقي الرمية ويشد على الخيل ، ومكث طويلاً ولو شاء الناس أن يقتلوه لقتلوه ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض دمه ، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء مؤونة قتله . فلما رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجالة وأمر الرماة أن يرموه ، فرشقوه بالسهام فأحجم عنهم فوقفوا بإيذائه . وكلما قرب منه أحد تزايل عنه كراهية أن يلقى الله بدمه . حتى نادى اللعين شمر قائلاً ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل ، اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم . فحملوا عليه من كل جانب وضربه زرعة بن شريك التميمي على كفه اليسرى فقطعها ، وضربه آخر على عاتقه المقدس فكبا منها لوجهه . ثم انصرفوا عنه وهو كلما قام كبا . وحمل عليه في تلك الحال سنان بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فصرعه عليه السلام . وكان هذا تعبيراً لرؤيته صلى الله عليه وسلم ، فقد رأى في نومه كأن كلباً أبقع ولغ في دمه الشريف ، فأوله بأن رجلاً يقتل الحسين ويكون أبرص . وكان شمر بن ذي الجوشن أبرص وهو الذي تولى قتل الحسين . وأراد خولي بن يزيد الأصبحي أن يحتز رأس الحسين فضعف وأرعد . فقال له شمر بن ذي الجوشن فتَّ الله في عضدك ، ونزل إليه فذبحه واحتز رأسه الشريف ثم دفعه إلى خولي وسلب القوم ما كان على الحسين رضي الله عنه وتركوه مسجى العراء ووجد به ثلاث وثلاثون طعنة ، وأربع وثلاثون ضربة غير الرمية . وانتهب الناس حلله وإبله وأثقاله ومتاعه ، وسلبوا نساءه حتى إن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيؤخذ منها . وكان سريد بن أبي المطاع قد صرع فوقع بين القتلى مثخناً ، فسمعهم يقولون قتل الحسين فوجد خفة في نفسه فوثب ومعه سكين وكان سيفه قد سلب فقاتلهم بسكينه ساعة ثم قتل وكان آخر قتيل بعد الحسين رضي الله عنهما . وقيل أن إبل الحسين التي سلبت ما ذبح منها وأحداً إلا وجدوا لحمه مراً ، ولم يذوقوا من لحومهم شيئاً . ثم انتهى القوم إلى علي زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما وهو مريض شديد المرض منبسط على فراش . فأراد اللعين شمر قتله فقال له حميد بن مسلم ، سبحان الله أيقتل الصبيان . وجاء عمر بن سعد فقال لا يدخلن بيت هذه النسوة أحد ، ولا يعرضن لهذا الغلام المريض ، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليرده . فلم يرد أحد شيئاً . ثم عاد بن سعد إلى فسطاطه ونادى من ينتدب إلى الحسين فيوطئه فرسه . فانتدب عشرة أنفسهم فداسوا جسد الحسين رضي الله عنه بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره . وكان النهار قد انتهى أو كاد . ويقول صاحب كتاب آل محمد في كربلاء ، والشمس قد اختفت خلف غمامة وهي تأبى أن ترى وجه الأرض ما بقي من ذلك اليوم . وكان عدد من قتل من أصحاب الحسين رضي الله عنه اثنين وسبعين رجلاً منهم من أهل بيته اخوته العباس وعبد الله وجعفر وعثمان أمهم أم البنين ، وعبد الله وأبو بكر أمهما ليلى بنت مسعود الثقفية ، ومحمد أمه أم ولد ، وابناه علي وعبد الله ، وبنو أخيه الحسن وهم القاسم وأبو بكر وعبد الله ، وابنا عبد الله بن جعفر وهما محمد وعون ، وبنو عقيل بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسلم بن عقيل . وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً ، سوى الجرحى . وكان عمر الحسين يوم قتل خمساً وخمسين سنة ، قيل هو الأصح ، وكان قتله يوم عاشوراء سنة إحدى وستين للهجرة بعد صلاة الظهر . وأرسل بن سعد رأس الحسين من يومه إلى بن زياد ، وأمر برؤوس أصحابه وأهل بيته فقطعت وكانوا كلهم اثنين وسبعين ، أي لم ينجوا منهم أحد . فسرح رؤوسهم مع شمر وناس معه ، فساروا بالرؤوس محمولة على الرماح . ولما ذهب عمر بن سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالقرب من مكان الواقعة إلى الحسين وأصحابه ، فصلوا عليهم ودفنوا الحسين رضي الله عنه ، وقبره اليوم حيث دفنه هؤلاء ، ودفنوا ابنه علي بن الحسين عند قدميه ،
وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين . ودفنوا العباس بن علي في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية .ا
رأس سيد الشهداء بين يدي بن زياد ويزيد
لا يستطيع أي إنسان مهما أوتي من قوة في البنيان أن يبين ما يجول بخاطر كل مؤمن إزاء هذا الحادث المروع ، ويقيني أنه أفظع حادث وقع في تاريخ الإنسانية . وعجيب أن نرى رأس سيد الأحياء بين يدي عبد ، بل عبيد فاسق . وهو من تعلم ومن أبيه . هذا لعمري من سخرية القدر لهذه الدنيا الفانية . أرسل عمر بن سعد بالرأس الشريف مع سنان أنس . وقيل شمر بن ذي الجوشن . فلما وضع الرأس الشريف بين يدي بن زياد قال شمر :ا
أملأ ركابي فضة وذهبـاً ............. إني قتلت السيد المحجبـا
قتلت خير الناس أماً وأباً ........... وخيرهم إذ يذكرون نسباً
(هكذا نقل ) .
فغضب عبيد الله بن زياد وقال ، إذا علمت ذلك فَلِمَ قتلته ، والله لا نلت مني خيراً ، وقيل أنه قتله . ثم جلس بن زياد في قصر الإمارة وإذن للناس إذناً عاماً والرأس الشريف موضوع في طست بين يديه ، ينظر إليه كرة ويبتسم له أخرى ، وبيده قضيب ينكث به ثنايا الحسين فترة بعد فترة . وقد ألقي في روعه أنه ملك البلد ووطد الأمر وقطع المعارضة . وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو شيخ كبير ، فلما رآه لا يرفع قضيبه قال ، ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هاتين الشفتين يقبلهما ، ثم بكى وأجهش . فقال بن زياد أبكى الله عينك فوالله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك . فخرج الشيخ وهو يقول ، أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم ، قتلتم بن فاطمة وأمرتم بن مرجانة، فهو يقتل خياركم ويستعبد شراركم ، فرضيتم بالذل فبعداً لمن يرضى بالذل . وأقام بن سعد بعد قتل الحسين يومان ثم ارتحل وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان وعلي بن الحسين مريض ، فاجتازوا بهم على الحسين وأصحابه صرعى ، فصاح النساء ولطمن خدودهن وصاحت زينب أخته رضي الله عنهم جميعاً يا محمداه صلى عليك ملائكة السماء ، هذا الحسين بالعراء مزمل بالدماء مقطع الأعضاء ، وبناتك سبايا وذريتك مقتله تسفى عليها الصبا . فأبكت كل عدو وصديق . فأحس القوم بهول ما فعلوا وعظيم ما اكتسبوا من الإثم والعدوان . ولما دخل بهم بن سعد الكوفة خرج الناس ينظرون إليهم ويبكون . فقال علي بن الحسين وقد أنهكه المرض ، إن هؤلاء يبكون من أجلنا ، فمَنْ قَتَلَنا . وأخرجت زينب رأسها من الهودج وقالت :ا
ماذا تقولون إن قال النبي لكــم ......... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمـــم
بعترتي وبأهلي بعــد مفتـقري ....... منهم أسارى وقتلى خضبوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بسوء في ذوي رحم
ودخلت زينب أخت الحسين ومن معها على بن زياد متنكرة ، وقد ارتدت إرث ثيابها فأخذت ناحية من القصر وجلست فحفت بها أماؤها . فقال عبيد الله بن زياد ، مَنْ هذه التي انحازت فجلست ناحية ومعها نساؤها . فلم تجبه . فقال ذلك ثلاثاً ، وهي لا تكلمه . فقال بعض أمائها هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال بن زياد الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم . فقالت زينب رضي الله عنها الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه وطهرنا من الرجس تطهيراً لا كما تقول ، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا والحمد لله . فقال كيف رأيت صنع الله بأهل بيتك . قالت كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتختصمون عنده . فغضب بن زياد وقال ، قد شفي الله نفسي من طاغيتك والعصاة المردة من أهل بيتك . فبكت رضي الله عنها وقالت لعمري ، لقد قتلت كهلي وأبرزت أهلي وقطعت فرعي واجتثثت ، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت . فقال هذه سجَّاعة ، لعمري ، لقد كان أبوها سجَّاعاً شاعراً . فقالت ما للمرأة والسجاعة ، إن لي عن السجاعة لشغلاً . ونظر بن زياد في السبايا من حفدة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأبصر علياً بن الحسين رضي الله عنهما فقال له ، من أنت . فقال أنا علي بن الحسين . قال بن زياد أو لم يقتل الله علي بن الحسين . فسكت . فقال لا تتكلم. فقال كان لي أخ يقال له أيضاً علي فقتله الناس . فقال بل الله قتله . فقال علي إن الله يتوفى الأنفس حين موتها ، وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله . فغضب بن زياد وقال ، أَبِكَ جرأة لجوابي ، أنت والله منهم ، ثم قال لرجل ويحك انظر هذا ، هل أدرك أني لأحسبه رجلاً . فكشف عن أثوابه مري بن معاذ الأحمري وقال نعم أدرك . فقال اقتله . فتعلقت به زينب عمته وقالت يا بن زياد وحسبك منا ، أما رويت من دمائنا ، وهل أبقيت أحداً وأعتنقته ، وقالت والله لا أفارقه ، فإن قتلته فاقتلني معه . وقال علي موصياً وهو يظن أته مقتول ، يا بن زياد إن كانت بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلاً تقياً يصحبهن بصحبة الإسلام . فنظر بن زياد إلى زينب رضي الله عنها ساعة ثم قال ، عجباً للرحم ، والله إني لأظنها ودت لو أني قتلته أني أقتلها معه ، دعوا الغلام ينطلق مع نسائه . فقال علي رضي الله عنه لعمته رضي الله عنها ، أسكتي يا عمة حتى أكلمه ، ثم أقبل عليه فقال ، أبا لقتل تهددني يا بن زياد ، أما علمت أن القتل لنا عادة وكرامتنا الشهادة . ثم نادى بن زياد الصلاة جامعة . فاجتمع الناس بالمسجد . فصعد المنبر فقال ، الحمد لله الذي أظهر الحق وأهله ونصر أمير المؤمنين يزيد بن معاوية وحزبه وقتل الكذاب بن الكذاب الحسين بن علي وشيعته . فوثب إليه عبد الله بن عفيف الأزدي وكان ضريراً ، قد ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل مع علي ، والأخرى بصفين معه أيضاً ، وكان لا يفارق المسجد يصلي فيه إلى الليل ، فقال يا بن مرجانة إن الكذاب بن الكذاب أنت وأبوك والذي ولاك وأبوه يا بن مرجانة ، أتقتلون أبناء النبيين وتتكلمون بكلام الصديقين . فأومأ إليه بن زياد وقال ، يا عدو الله ما تقول في عثمان . فقال عدوَّ الله أنت ذلك الرجل ، أحسن وأساء وأصلح وأفسد ، والله وليّ خلقه يقضي في عثمان وغيره بالحق والعدل ، ولكن إن شئت سلني عنك وعن أبيك وعن يزيد وعن أبيه . فقال لا أسألك حتى أذيقك الموت . فقال دعوت الله تعالى أن يرزقني الشهادة قبل أن تلدك أمك على يدي أعدى خلق الله تعالى وأبغضهم له ، فلما ذهب بصري يئست منها ، فالحمد لله الذي رزقنيها على يأسي وعرفني الإجابة لي منه على قديم دعائي . فنزل وقتله وصلبه . ثم أمر برأس الحسين رضي الله عنه ، فطيف به على رمح في الكوفة . ثم أرسل بن زياد رأس الحسين ورؤوس أصحابه مع زحر بن قيس ومعه جماعة هو مقدمهم ، وأرسل بالنساء والصبيان على أقتاب ومعهم علي بن الحسين رضي الله عنه . وقد جعل بن زياد الغل في يديه ورقبته . ولما ساروا أول مرحلة نزلوا بجوار حائط يشربون ، فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحائط يد بها قلم حديد فكتبت سطراً بدم :ا
أترجو أمة قتلت حسيناً ..... شفاعة جده يوم الحساب
وقيل أن آل الحسين لما وصلوا إلى بن زياد حبسهم وأرسل إلى يزيد بخبرهم ، فبينما هم بالحبس إذ سقط عليهم حجر فيه كتاب مربوط ، وفيه أن البريد سار بأمركم إلى يزيد فيصل يوم كذا ويعود يوم كذا ، فإن سمعتم التكبير فأيقنوا بالقتل ، وإن لم تسمعوا تكبيراً فهو الأمان إنشاء الله . فلما كان قبل قدوم البريد بيومين إذا حجر قد ألقى عليهم وفيه كتاب يقول فيه أوصوا واعهدوا فقد قارب البريد . ثم جاء البريد بأمر يزيد بإرسالهم إليه . فدعا بن زياد محضر بن ثعلبة واللعين شمر بن ذي الجوشن وسيرهما برؤوس الشهداء وآل بيت الحسين رضي الله عنهم جميعاً إلى يزيد . ونزلوا في الطريق بدير ليقيلوا به ، فوجدوا مكتوباً على بعض جدرانه البيت السابق :ا
أترجو أمة قتلت حسيناً ..... شفاعة جده يوم الحساب
فسألوا رئيس الدير عنه . فقال إنه مكتوب من قبل ميلاد محمد بكذا مائة عام . ثم ساروا حتى وصلوا إلى يزيد . فتقدم زحر بن قيس فدخل على يزيد فقال له ، هات ما وراءك . فقال أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله ونصره ورد علينا الحسين بن علي في ثمانية عشر من أهل بيته وستين من شيعته ، فسرنا إليهم وسألناهم النزول على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال ، فاختاروا القتال ، فغدونا عليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل جانب حتى إذا أخذت السيوف مأخذها من هام القوم جعلوا يهربون إلى غبر وزر ويلوذون بالأكام والحفر كما لاذ الحمائم من عقاب أو صقر ، فوالله ما كان إلا نحر جذور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم مجردة وثيابهم بدمائهم مضرجة وخدودهم في التراب معفرة تصهرهم الشمس وتسغى عليهم الريح ، زوارهم العقاب والرخم بقاع سبسب . ثم وضعوا الرأس الشريف بين يديه . وأدخل علي بن الحسين رضي الله عنهما ومن معه على يزيد وهم مقرنون في الحبال . قال فدمعت عينا يزيد وقال ، كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله بن سمية ، أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه ، فرحم الله الحسين . فقال علي بن الحسين أنشدك الله يا يزيد ما ظنك برسول الله صلى الله عليه وسلم وآله لو رآنا على هذه الصفة ، فلم يبق في القوم أحد إلا بكى . فأمر يزيد بالحبال فقطعت وأمر بفك الغل عن زين العابدين ، ثم أمر بوضع النساء في مكان خلفه ، وإذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه ومعه قضيب ينكث به ثغر الحسين ، ثم قال إن هذا وإيانا كما قال الحصين :ا
أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت .......... قواضب في إيماننا تقطر الدما
يفلقن هاماً من رجال أعــزة ............ علينا وهم كانوا أعق وأظلمـا
فقال له أبو بردة الأسلمي أتنكث بقضيبك في ثغر الحسين ، أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً أما أني لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشفه ، أما أنك يا يزيد تجئ يوم القيامة وبن زياد شفيعك ، ويجئ هذا ومحمد شفيعه ، ثم انصرف . فقال يزيد والله لو أني صاحبه ما قتلته ، ثم قال أتدرون من أين أتى هذا ، أما أنه ليقول أبي خير من أبيه وأمي فاطمة خير من أمه ، وجدي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من جده ، وأنا خير من يزيد وأحق بالأمر منه ، فأما قوله أبوه خير من أبي فقد تحاج أبي وأبوه إلى الله تعالى وعلم الناس أيهما حكم له ، وأما قوله أمي خير من أمه فلعمري فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم خير من أمي ، وأما قوله جدي خير من جده فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فينا عديلاً ولا نداً ، وإني هذا من قبل فقهه ولم يقرأ ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير ) . ثم أدخل نساء الحسين والرأس بين يديه ، فجعلت فاطمة وسكينة ابنتا الحسين يتطاولان لينظرا الرأس ، وأحس يزيد بذلك فاضطرب وجعل يتطاول ، فلما رأينها صحن فصاح نساء يزيد وولولت بنات معاوية . فراح يزيد يحاول تهدئة روعهما مبرراً نفسه قائلاً ، إن ذلك كان بغير علمه ، ولو كان الأمر معه لعفى وصفح . وقام رجل من أهل الشام فقال ، هب لي هذه يعني فاطمة أخت الحسين رضي الله عنهما . فأخذت بثياب زينب أختها وكانت أكبر منها . فقالت زينب كذبت ولؤمت ، ما ذلك لك ولا له . فغضب يزيد وقال كذبت والله ، إن ذلك لي ولو شئت أن أفعله لفعلته . قالت كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا . فغضب يزيد واستطار ثم قال ، إياي تستقبلين بهذا ، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك . قالت زينب بدين الله ودين أبي وأخي وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك . قال كذبت يا عدوة الله . قالت أنت أمير تشتم ظالماً وتقهر بسلطانك . فاستحي وسكت . ثم أخرجن وأدخلن دار يزيد فلم تبق امرأة من آل يزيد إلا أتتهن وأقمن المأتم وسألهن عما أخذ منهن فأضعفه لهن . فكانت سكينة تقول ما رأيت كافراً بالله خيراً من يزيد بن معاوية . ثم قال يزيد لعلي بن الحسين رضي الله عنهما إيه يا بن الحسين ، أبوك قتل رحمي وجهل حقي ونازعني سلطاني فصنع الله به ما رأيت . فقال له علي رضي الله عنه ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما أتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور . فقال يزيد ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير . فقال علي يا بن معاوية وهند وصخر لم تنزل النبوة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد ، ولقد كان جدي علي بن أبي طالب في يوم بدر وأحد والأحزاب في يده راية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبوك وجدك في أيديهما رايات الفار ، ويلك يا يزيد إنك لو تدري ماذا صنعت وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي إذاً لهربت في الجبال وافترشت الرماد ودعوت بالويل والثبور أن يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة وعلي منصوباً على باب مدينتكم وهو وديعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكم ، فأبشر بالخزي والندامة إذا اجتمع الناس ليوم القيامة .ا
سرور وندم
ذكر بعض المؤرخين أن يزيداً ندم على قتل الحسين ، وذكروا كثيراً في ذلك ، ولكن يظهر أنه لم يندم على قتله لأنه لو كان كذلك لما غضب على زينب ولا نهرها ولا نكث بثنايا الحسين ، وغير ذلك إذ لو ندم حقاً لكان دليل ندمه أن يتحمل الأذى من أهل بيته ولو حتى كليمات زينب التي أغضبته وكادت تخرجه عن طوره ، ولكنه ندم بعد أن علم أن الناس يلعنونه بسبب الحسين إرضاءاً لهم . وروي بعض المؤرخين قال ، لقد استعظم نساء يزيد فعلته واستكبر هو نفسه الأمر . وكانت قد حسنت حال بن زياد عنده لما وصله رأس الحسين وظن أنه قد وطد له ملكه وذلل له الرقاب ، فلم يلبث إلا يسيراً حتى بلغه بغض الناس له ولعنهم إياه ، فندم على قتل الحسين وراح يقول ، ما عليَّ لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري وحكمته فيما يريد ، وإن كان عليَّ في ذلك وهن في سلطاني حفظاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورعاية لحقه ، لعن الله بن مرجانة فإنه أضطره وقد سأله أن يخلي سبيله ويرجعه فلم يفعل أو يضع يده في يدي أو يلحق بثغر حتى يتوفاه الله ، فلم يجبه إلى ذلك وقتله فبغضني بقتله إلى المسلمين وزرع في قلوبهم العداوة والبغضاء . هذا وقد روي أن يزيداً أمر بقتل الحسين رضي الله عنه ، ولما نظر الرأس وعلم بقتل آل بيت الحسين وشيعته قال ، يوم بيوم بدر ، ثم قال متمثلاً لعنه الله :ا
ليت أشياخي ببدر شهـدوا .......... جزع الخزرج من وقع الأسل
لا استطالوا واستهلوا فرحاً ............ ثم قالوا يا يزيـد لا تســل
قد قتلنا الغر من ساداتهـم .............. وعدلناه ببــدر فاعتــدل
وخاطبت السيدة زينب رضي الله عنها يزيد فقالت ، الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله سبحانه حيث قال ( ثم كان عاقبة الذين أساءوا الرأي أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون ) صدق الله العظيم . أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نساق كما تساق الأماء ، إن بنا هواناً على الله وبك عليه كرامة ، وأن ذلك لعظم خطرك عنده ، فشمخت بأنفك ونظرت في عطفك جذلان مسروراً ، حيث رأيت الدنيا لك مستوسقة والأمور متسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، فمهلاً مهلاً ، أنسيت قول الله ( ولا تحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خيراً لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين ) صدق الله العظيم . أَمِنَ العدل يا بن الطلقاء تخديرك حرائرك وإماءك وسوقك بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا قد هتكت ستورهن وأبديت وجوههن تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ، ويتصفح وجوههن الغريب والبعيد والدني والشريف ، ليس معهن من حماتهن حمى ولا من رجالهن وليّ ، وكيف ترتجي مراقبة بن من لفظ فوه أكباد الأزكياء ونبت لحمه بدماء الشهداء ، وكيف يستبطئ في بغضنا أهل البيت من نظر إلينا بالشنف والشنآن والإحن والأضغان ، ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم:ا
وأهلوا واستهلوا فرحاً .......... ثم قالوا يا يزيد لا تسل
منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك ، وكيف لا تقول ذلك وقد نكأت القرحة واستأصلت الشأفة بإراقتك دماء ذرية محمد صلى الله عليه وسلم ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ، وتهتف بأشياخك . زعمت أنك تناديهم فلتردن وشيكاً موردهم ولتردن أنك شللت وبكمت ، ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت ، اللهم خذ لنا بحقنا وانتقم ممن ظلمنا وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا ، فوالله ما فريت إلا جلدك ولا حززت إلا لحمك ، ولتردن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عزته ولحمته ، حيث يجمع الله شملهم ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون ) . وحسبك بالله حاكماً ، وبمحمد خصيماً وبجبرائيل ظهيراً وسيعلم من سول لك ومكنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً ، وأيكم شر مكاناً وأضعف جنداً ، ولئن جرت على الدواهي مخاطبتك ، إني لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك ، لكن العيون عبرى والصدور حرى ، ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ، فهذه الأيدي تنطف من دماءنا والأفواه تتحلب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل وتعفرها أمهات الغراعل ، ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدننا وشيكاً مغرماً حين لا تجد إلا ما قدمت يداك ، وما ربك بظلام للعبيد ، فإلى الله المشتكى وعليه المعول ، فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك ، فوالله لا تمحي ذكرنا ولا تميت وحينا ولا تدرك أمرنا ولا ترخص عنك عارها . وهل رأيك إلا فند وأيامك إلا عدد وجمعك إلا بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين . فالحمد لله الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة . ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة إنه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل . فقال يزيد مجيباً لها :ا
يا صيحة تحمد من صوائح ............ ما أهون النوح على النوائح
واستشار يزيد الجالسين فيما يصنع بهم . فقال له بعضهم لا تتخذ من كلب سوء جرواً . وقال له النعمان بن بشير أنظر ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه بهم فاصنعه بهم . وأمر يزيد بمنبر وخطيب ، وأمر الخطيب أن يصعد المنبر فيذم الحسين وأباه . فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وبالغ في ذمهما وأطنب في مدح معاوية ويزيد . فصاح به علي قائلاً ، ويلك أيها الخاطب اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فتبوأ مقعدك من النار ، ثم قال يا يزيد أتأذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات ، لله فيهن رضا ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب . فأبي يزيد . فقال الحاضرون ، يا أمير المؤمنين إئذن له فليصعد المنبر ، فلعلنا نسمع منه شيئاً . فقال إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان . فقيل له وما قدر ما يحسن هذا . فقال إنه من أهل بيت زقوا العلم زقاً . فلم يزالوا به حتى أذن له . فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال ، أيها الناس ، أعطينا ستاً وفضلنا بسبع ، أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفضلنا بأن منا النبي المختار محمداً صلى الله عليه وآله ومنا الصديق ومنا الطيار ومنا أسد الله وأسد رسوله ، ومنا سبط هذه الأمة ، من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي . أيها الناس أنا بن مكة ومنا ، أنا بن زمزم والصفا ، أنا بن من حمل الركن بأطراف الردى ، أنا بن خير من ائتزر وارتدى ، أنا بن خير من انتعل واحتفى ، وأنا بن خير من طاف وسعى ، أنا بن خير من حج ولبى ، أنا بن من حمل على البراق في الهوا ، أنا بن من أسريَ به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، أنا بن من بلغ به جبرائيل إلى سدرة المنتهى ، أنا بن من دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ، أنا بن من صلى بملائكة السما ، أنا بن من أوحي إليه الجليل ما أوحى ، أنا بن محمد المصطفى ، أنا بن علي المرتضى ، أنا بن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا لا إله إلا الله ، أنا بن من ضرب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بسيفين وطعن برمحين وهاجر الهجرتين وبايع البيعتين وقاتل ببدر وحنين ولم يكفر بالله طرفة عين ، أنا بن صالح المؤمنين ووارث النبيين وقامع الملحدين ويعوب المسلمين ونور المجاهدين وزين العابدين وتاج البكائين وأصبر الصابرين وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين ، أنا بن المؤيد بجبريل المنصور بميكائيل ، أنا بن الحامي عن حرم المسلمين وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين والمجاهد أعداءه الغاصبين وأفخر من مشي من قريش أجمعين وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين وأول السابقين وقاصم المعتدين ومبيد المشركين وسهم من مرامي الله على المنافقين ولسان حكمة العابدين وناصر دين الله ووليّ أمر الله ولسان حكمة الله وعيبة علمه . سمح ، سخي ، بهي ، بهلول ، زكي ، أبطحي ، رضي ، مقدام ، همام ، صابر ، صوّام ، مهذب ، قوَّام ، قاطع الأصلاب وممزق الأحزاب ، أربطهم عناناً وأثبتهم جناناً وأمضاهم عزيمة وأشدهم شكيمة ، أسد باسل يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنة وقربت الأعنة طحي الرحى وبذروهم ذرو الريح الهشيم ، ليث الحجاز وكبش العراق ، مكي ، مدني ، حنيفيّ ، عقبيّ ، بدري ، أحديّ ، شجريّ ، مهاجريّ . من العرب سيدها ، ومن الوغي ليثها ، وارث المشعرين وأبو السبطين الحسن والحسين . ذاك جدي علي بن أبي طالب عليه السلام . أنا بن فاطمة الزهراء ، أنا بن سيدة النساء . فلم يزل يقول أنا ، أنا ، حتى ضج الناس بالبكاء والنحيب . فخاف يزيد أن تبدو العورة وتشتعل الجمرة ، فأمر المؤذن . فأذَنَ قائلاً ، الله أكبر ، الله أكبر . فقال علي ، لا شئ أكبر من الله . ولما قال أشهد أن لا إله إلا الله قال علي ، شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي . فلما قال أشهد أن محمداً رسول الله ، التفت من فوق المنبر إلى يزيد وقال ، محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد ، فإن زعمت أنه جدك فقد كذبت وكفرت ، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلت عرَته . ولله در القائل :ا
يصلي على المبعوث من آل هاشم .......... ويغزي بنوه إن ذا لعجيب
ودعا يزيد علي بن الحسين ، فجاءه ومعه بن عمه عمرو بن الحسن وهو غلام صغير . فقال يزيد لعمرو ، أتقاتل هذا ، يعني خالد بن يزيد . فقال عمرو اعطني سكيناً وأعطه سكيناً حتى أقاتله . فقال يزيد شنشنة أعرفها من أخزم ، هل تلد الحية إلا حوية . ما روي أخيراً يدل دلالة واضحة على أن يزيداً ‘سر بقتل الحسين ، فكافأ عبيد الله بن زياد على قتله . وأما ما ذكره بعض المؤرخين من أنه ندم على قتله فصحيح ، ولكن عندما علم ببغض المسلمين له بسبب قتل الحسين بعد ما أظهر السرور والشماتة به وبآل بيته رضي الله عنهم جميعاً . ولكنه لم يندم لله وإنما ندمه كان إرضاءاً للمسلمين فقط ، فهو يقول غير ما يضمر . فلعنة الله عليه . وخيَّرَ يزيد علياً بين الإقامة بدمشق أو العودة إلى المدينة فقال له ، لا أريد إلا المدينة ، وأن تقضي لي ثلاث حاجات ، الأولى أن تريني وجه سيدي ومولاي وأبي الحسين عليه السلام فأتزود منه وأنظر إليه وأودعه . والثانية أن ترد علينا ما أخذ منا . والثالثة إن كنت عزمت على قتلي أن توجه مع هؤلاء النساء من يردهن إلى حرم جدَّهن صلى الله عليه وآله . فقال أما وجه أبيك فلن تراه أبداً ، وأما قتلك فقد عفوت عنك ، وأما النساء فما يردهن غيرك إلى المدينة ، وأما ما أخذ منكم فأنا أعوضكم عنه أضعاف قيمته . فقال علي أما مالَك فلا نريده وهو موفر عليك وإنما طلبت ما أخذ منا لأن فيه مغزل جدتي فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ومقنعتها وقلادتها وقميصها . فأمر برد ذلك وزاد فيه من عنده مائتي دينار . فأخذها علي ووزعها على الفقراء والمساكين . ثم أمر يزيد النعمان بن بشير الأنصاري وجماعة معه بمرافقة علي وآل البيت إلى المدينة . فخرجوا بهم وأحسنوا لهم المعاملة ، وكان يسألهم عن حاجتهم ويلطف بهم حتى دخلوا المدينة . فقالت فاطمة بنت علي لأختها زينب ، لقد أحسن هذا الرجل إلينا فهل لك أن نصله بشيء . فقالت زينب والله ما معنا ما نصله به إلا حلينا فأخرجتا سوارين ودملجين لهما فبعثا به إليه واعتذرتا . فرد الجميع وقال ، لو كان الذي صنعت للدنيا لكان في هذا ما يرضيني ودونه ، ولكن والله ما فعلته إلا لله ولقرابتكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولما بلغ عبد الله بن جعفر قتل ابنيه مع الحسين استرجع ، فدخل عليه بعض مواليه والناس يعزونه فقال هذا ما لقيناه من الحسين . فحذفه بن جعفر بنعله وقال ، يا بن اللخناء أللحسين تقول هذا ، والله لو شهدته لأحببت أن لا أفارقه حتى أقتل معه ، والله إنه لمما يهَون عليَّ المصاب بهما أنهما أصيبا مع أخي وبن عمي مواسيين له صابرين معه ، وإن لم تكن آست الحسين يدي فقد آساه ولداي . وخطب امرأة الحسين الأشراف من قريش فقالت ، ما كنت لأتخذ حمواً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأقامت على قبره سنة حتى بليت وماتت كمداً .ا
عجائب وغرائب